أنطون إيسر*

على الرغم من اقتراب موعد ذروة الطلب على النفط فإنها لا تزال على مدى سنوات. وأمام الغاز فرصة لازدهار متتابع على المدى المتوسط باعتباره الوقود المرحلي للفصل مع عصر الطاقة المتجددة.
من الواضح أن نظام الطاقة العالمي على أعتاب ثورة، والمستثمرون في القطاع في غفلة عن طفرة من التغير الهائل، حيث يتفق أغلبية المحللين على أن أسواق الطاقة في المستقبل ستبدو مختلفة جداً عن الحالة التي تبدو عليها اليوم، وهذا يفيد بأن هناك خطراً حقيقياً ناتجاً عن التحول بوتيرة أسرع مما يتوقعه الكثيرون، ما ينذر بضياع فرص كبيرة على المستثمرين، الذين يفشلون في الاستعداد منذ الآن.
ولا شك أن الطاقة تحظى باهتمام المستثمرين. وحجم الاستثمارات العالمية في قطاع الطاقة يزيد على 10 تريليونات دولار. ونحن في المراحل الأولى من الانتقال إلى مستقبل منخفض الكربون. ويمثل هذا «التحول» الثالث الذي مرت به نظم الطاقة منذ بداية الثورة الصناعية. الأول هو عصر ظهور الفحم، والثاني عصر النفط، و الآن عصر صعود مصادر الطاقة المتجددة.
وكان لهذه التحولات تاريخياً آثار دراماتيكية بعيدة المدى تم التقليل من شأنها في ذلك الوقت. ويستند بعض المحللين في توقعاتهم بشأن سرعة هذا التحول إلى وتيرة حركة التحولات السابقة في قطاع الطاقة. غير أن التحولات السابقة كانت مدفوعة أساساً بطبيعة تطور الاقتصاد؛ حيث حل الفحم محل الكتلة الحيوية؛ لأن التكنولوجيا الجديدة مكنته من أن يصبح مصدراً أفضل للطاقة بشكل أساسي، وكانت وتيرة التغيير مدفوعة بالجدارة الاقتصادية.
وقد يكون التحول هذه المرة مختلفاً. فالتغيير ليس مدفوعاً بالتكنولوجيا فحسب (على الرغم من أنها أهم أدواته)، بل تمليه ضرورات السياسة الحكومية المحكومة بالمتطلبات الاجتماعية الحتمية. فالشعوب تعارض بشدة ظاهرة ومسببات التلوث المتفاقم باستمرار، والارتفاع المستمر في انبعاثات الكربون، مع العواقب الوخيمة التي قد تترتب على ذلك. وقد تكون وتيرة التغيير أسرع بكثير مما تقترحه النماذج التاريخية.
والمؤكد أن الآثار خطِرة. وطاقة الفحم تواجه التحديات الأكثر إلحاحاً. فهي ببساطة متهمة بقتل المزيد من الناس، وهي أيضاً تنفث الكربون بكثافة، وتصارع من أجل البقاء. وعلى الرغم من أن الفحم يعيش مرحلة ازدهار بفضل سياسة العرض الصينية، فإن المستقبل يبدو مظلماً. ولا شك أن الطبيعة التصاعدية للسوق العالمية تجعل التسعير الدولي للفحم هشاً أمام أدنى الهزات التي يتعرض لها الطلب في أكبر سوق في العالم وهي الصين.
ولن تنفع الفحم فقاعات الطلب الآسيوي على المدى القريب في تفادي التهديدات التي يفرضها الغاز الرخيص، ونواتج مصادر الطاقة المتجددة وضغط الرأي العام. وعندما يفرض النظام العالمي ضريبة على نفث الكربون، فإن وتيرة التغيير لا بد أن تتسارع. ومن هنا فإن المستثمرين الذين راكموا حيازات طويلة الأجل في محافظ الاستثمار بالفحم، ويتجنبون الاستثمار في مضاربات عقود الفحم العاجلة، عليهم التخلص منها بأسرع وقت.
أما أوضاع النفط والغاز فتبدو مختلفة. فعلى الرغم من اقتراب موعد ذروة الطلب على النفط، فإنها لا تزال على مدى سنوات من اليوم. وأمام الغاز فرصة لازدهار متتابع على المدى المتوسط، باعتباره الوقود المرحلي للفصل بين عصر الفحم وعصر الطاقة المتجددة.
ولكن في نهاية المطاف أفضل مستقبل مأمول في مجال النفط هو فترة طويلة من الانخفاض التدريجي البطيء. وقد
تشهد شركات النفط مرحلة من التراجع البطيء ربما تكون مربحة للغاية، وبالتالي تجذب استثمارات طويلة الأجل. ولكن ذلك لا يمنع من إدارة تلك الشركات في إطار هذا التصور بدءاً من اليوم. ولا تزال كثرة كاثرة من شركات النفط تتصرف كما لو كانت لديها سنوات من النمو في الطلب. وأعتقد أن الشركات التي سوف تجذب الاستثمارات في المستقبل القريب هي تلك التي تدرك أن القطاع قد تغير وتستثمر في المستقبل.
هناك خياران مجديان يمكن للمستثمرين اللجوء إلى أحدهما على المدى الطويل: الأول هو البدء في إعادة تخصيص المحافظ؛ بحيث تكون جاهزة للانتقال إلى الطاقة الثالثة. ولا بد أن تنخفض كثافة الكربون المحسوبة لتلك المحافظ على مر الزمن. ويحتاج قطاع الطاقة المتجددة إلى عشرات التريليونات من الاستثمارات، التي ينبغي أن نكون مستعدين لاستثمارها في القطاع.
والثاني هو تركيز الاهتمام والتحرك السريع؛ إذ لا يزال الكثير من مجالس إدارات صناديق الاستثمار يديرون ظهورهم لقطاع الطاقة، ويدفنون رؤوسهم في الرمال. وإذا أردنا أن نتحمل مسؤوليتنا الاجتماعية باعتبارنا نشارك في ملكية شركات الطاقة، فلا بد أن نحثهم على أن يستفيقوا. فقطاع الطاقة يتغير بسرعة تفوق توقعاتنا والمستثمرون مطالبون بالتحرك اليوم استعداداً لعالم الغد.

* رئيس صندوق «ليغال إنفستمنت مانجمنت»

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top