د. حكمت أحمد الراوي*

يعيش التحكيم حالياً أزهى عصور ازدهاره إذ إن التحكيم قوامه إرادة الأطراف، وهذا أهم وأكثر ما يميز التحكيم عن القضاء.
منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن تتزايد أهمية التحكيم خاصة في مجال التجارة الدولية، إذ إن التطور الكبير الذي طرأ على علاقات التجارة الدولية كان من شأنه إفراز أنواع جديدة من العقود والمعاملات التي لم يكن للفكر القانوني سابق عهد بها، وهذا يحتاج إلى تنظيم قضاء خاص للفصل في المنازعات التي قد تنشأ عن مثل هذه العلاقات، وهذا القضاء قضاء التحكيم.
التحكيم هو القضاء الاختياري الموازي وليس الاستثنائي للقضاء العادي كما أن التحكيم يتسم بالوضوح والمرونة والبساطة والسرعة في الإجراءات إذا ما قورن بالقضاء، واختصار الوقت في حل النزاعات والخلافات وهذا العنصر الجوهري في المعاملات التجارية المحلية والدولية، وقد وجد الأخصائيون في مجال التجارة الدولية ضالتهم في نظام التحكيم، حيث إن التحكيم هو الوسيلة المفضلة لحل النزاعات التجارية.
ويعيش التحكيم حالياً أزهى عصور ازدهاره إذ إن التحكيم قوامه إرادة الأطراف، وهذا أهم وأكثر ما يميز التحكيم عن القضاء الوطني، فتهيمن هذه الإرادة على نظام التحكيم بأكمله بدءاً من الاتفاق على المبدأ ذاته، مروراً باختيار المحكمين وتحديد عددهم واختصاصهم وتحديد الجهة التي تتولى الإشراف على التحكيم حتى تحديد الإجراءات التي تتبع لحل النزاع، والقانون الذي يحكم هذا النزاع، ما يشعر الأطراف بأنهم يشاركون في عملية التحكيم، وقد أدى هذا إلى تزايد إقبال الأفراد على اللجوء للتحكيم لحل منازعاتهم خاصة في مجال المعاملات ذات الطابع الدولي. كما أن رجال الأعمال يفضلون اللجوء إلى التحكيم لحل المنازعات التي قد تنشأ عن عقود التجارة الدولية، والتحكيم فرضته الضرورة وأملته المصالح العامة والخاصة على حد سواء، وذلك للخصائص التي يتمتع بها وغير الموجودة في القضاء العادي.
وقد أصبح التحكيم مرتبطاً بالتجارة الدولية ارتباطاً وثيقاً، وكلاهما يؤثر في الآخر ويتأثر به وقد تم إبرام العديد من الاتفاقيات الدولية المعنية بشأن التحكيم. وأصبح من المعتاد أن نجد في عقود التجارة الدولية شرطاً ينص فيه أطرافها على أن يتم حل منازعاتهم أمام التحكيم، ووفق ما يسمى بقواعد العدالة والإنصاف، كما أن التحكيم أيضاً أصبح يظهر بشكل ملحوظ في العقود الدولية طويلة المدى كعقود التوظيف والاستثمار الدولية، إذ إن أصلح طريقة لحسم المنازعات التي تنشأ في هذه العقود هي التحكيم، كما أن التوظيف والاستثمار الأجنبي يخشى عند توقيع العقد أن تطرأ تغييرات وتعديلات قانونية في الدولة التي يوظف فيها أمواله لذلك يشترطون اللجوء إلى التحكيم في حال حدوث نزاع أو خلاف.
وبالرغم من الأهمية الكبيرة للتحكيم والدور الفعال والحيوي الذي يلعبه في وقتنا الحاضر واتجاه معظم الدول للأخذ به وخاصة فيما يتعلق بالموضوعات التي تحتاج سرعة البت في المنازعات والخلافات والتخفيف من على كاهل القضاء من عبء كثرة الدعاوى وما يترتب عليه، إلا أنه لا يوجد في نصوص التشريعات المقارنة تعريف واضح وصريح للتحكيم، وعلى العكس فقد كثرت التعريفات الفقهية للتحكيم وتعددت، وكلها ليست متناقضة فيما تصرح به، وإنما الواقع أن كل فقيه سلط الضوء على زاوية معينة من زوايا التحكيم أو على الأقل لم يكن تعريفه شاملاً لكل جوانب التحكيم، فمنهم من يرى أن التحكيم هو اتفاق، ومنهم من ينظر إلى عمل المحكم فقط، والثالث ينظر إلى كونه وسيلة أو نظاماً قانونياً، وإذا ماعدنا واطلعنا على آراء الفقهاء نجد أنه لا يوجد أي تعارض بينهم بل إن آراءهم جميعاً تكمل بعضها البعض ونستطيع تعريف التحكيم بأنه: «نظام قانوني ويستمد شرعيته من القانون ويتم اللجوء إليه عن طريق اتفاق الأطراف عليه وهو ما يسمى اتفاق التحكيم، والهدف منه هو الفصل في المنازعات الدائرة بينهم عن طريق أشخاص عاديين يختارونهم للفصل في هذه المنازعات بحكم ملزم».
وقد يعتقد البعض أنه بمجرد وجود اتفاق تحكيم، أننا بصدد تحكيم وفي الحقيقة إن التحكيم يكون بالنظر إلى المهمة المسندة للغير، فحتى نقول عن اتفاق إنه تحكيم يجب معرفة حقيقة المهمة المخولة للمحكمين، فقد يتضمن اتفاق تحكيم بين شخصين تحديد سعر المبيع لشخص ثالث يختارونه، فمثل هذا الاتفاق ليس تحكيماً، لأن المهمة المخولة للغير ليست فصلاً في نزاع ولكنها اتفاق على القيام بعمل معين.
كما أن المهمة المخولة للمحكم هي التي تميز التحكيم عن غيره من النظم القانونية، وقد يخلط البعض بين التحكيم والتوفيق والوساطة، وهناك اختلاف كبير بينهما فالتوفيق والوساطة هما إحدى الوسائل الودية لحسم المنازعات بين الأطراف ويتم عادة عن طريق اتفاق طرفي النزاع على اللجوء إليه لحسم المنازعات، وذلك عن طريق اختيار الطرفين لشخص أو جهة ثالثة تقوم بهذا الدور في حل النزاع ويكون لديه الخبرة الكافية والدراية بموضوع النزاع وذلك من خلال تقريب وجهات النظر ومساعدة الأطراف للوصول إلى حل النزاع القائم.
وتتشابه الوساطة مع التوفيق في أنهما وسيلتان لحل المنازعات بطريقة ودية وذلك من خلال تقريب وجهات النظر للوصول إلى اتفاق بين الأطراف المتنازعة بصورة ودية، ودون أن يكون القرار الصادر من الشخص الموفق أو الوسيط صفة الإلزام للأطراف المتنازعة إلا إذا اتفقوا على ذلك. وبالرغم من التشابه بينهما إلا أن هناك فروقاً واختلافات كثيرة بينهما نذكر منها: الوساطة لا تنشأ إلا باتفاق الأطراف فهي دائماً رضائية بينما التوفيق أحياناً يكون ملزماً وليس رضائياً، الوسيط قد يأخذ بعين الاعتبار العلاقات الشخصية وعلاقات الطرفين مع بعضهما بينما الموفق لا يراعي تلك المسائل ففي أغلب الأحيان ينزل حكم القانون في النزاع، والوساطة تعتبر وقائية تستخدم قبل تفاقم سوء الفهم وقبل حدوث النزاع فهي تعمل على عدم وقوع النزاع بينما الموفق يظهر غالباً عندما يكون النزاع قد حدث بالفعل، كذلك هناك اختلاف بين التوفيق والوساطة في دور كل من الوسيط والموفق، فالوسيط يبرز قرارات الأطراف بعد السماع إليهم ومعرفة وجهات نظرهم ودراستها، أما الموفق فيقدم حلولاً للخصوم قد تكون أقرب إلى حكم القاضي.

*أستاذ جامعي

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top