د. محمد الصياد

كل شيء يسير حتى الآن وفقاً لما عملت عليه بدأب منظمة الأقطار المصدرة للبترول «أوبك» بقيادة المملكة العربية السعودية، أكبر منتج للنفط في أوبك وثاني أكبر منتج للنفط في العالم، وشركاء أوبك غير الأعضاء بقيادة روسيا أكبر منتج للنفط في العالم، منذ أن تمكنت أوبك من إقناع 14 دولة منتجة للنفط غير أعضاء فيها، للاتفاق على خفض جماعي لإنتاجها بواقع 1.8مليون برميل يومياً، في عام 2017 المنقضي. اتفاق تم تمديده أولاً حتى مارس 2018، ثم اتُفق في شهر نوفمبر الماضي على تمديده حتى نهاية عام 2018 الجاري. فقد تخطى سعر برميل نفط القياس من نوع برنت حاجز ال60 دولاراً، الذي استهدفه هذا «الكونسورتيوم» من دون إعلان. فكيف سيكون سعر برميل النفط في عام 2018 الجديد؟
اللافت هنا تغاير تقييمات كبريات بيوتات المال العالمية لوضع النفط هذا العام. فقد وضع بنك مجموعة غولدمان ساكس نفسه في خانة المتوقعين بسوق صعودي للنفط في عام 2018 (Bullish market)، مرجحاً توازن السوق والتخلص من الفائض في منتصف العام، وهو ما سيؤدي إلى وقف العمل باتفاق خفض الإنتاج قبل أوانه نهاية العام. وقد دعمه في ذلك بنك أيه بي إن آمرو الذي توقع سعراً متوسطاً لبرميل النفط في 2018 مقداره 55 دولاراً. في حين اختار كل من بنك سيتي غروب، وبي إن بي باريباس، أن يكونا في خانة المرجحين لسوق نزولي للنفط (Bearish market)، معولين في ذلك على ارتفاع إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة (ارتفع عدد الحفارات في حقول نفطها الصخري بنسبة 42% في عام 2017).
ومن قراءة للمعطيات المادية المتوفرة، يبدو أن كل الظروف مهيأة للنفط لمواصلة صموده بل وتقدمه ببعض النقاط في العام الجديد 2018. فقد اختتم سعر برميل النفط من نوع برنت عام 2017 عند 66.87 دولار، وخام غرب تكساس الوسيط عند 60.42 دولار. وهو ما لم تكن تتوقعه أوبك مع ال14 دولة غير عضو في المنظمة عملت مجتمعة لإحداث خفض منسق للإنتاج لقلب الاتجاه الهبوطي لسعر البرميل في السوق.
فالاقتصاد العالمي جيد، وبحسب بيانات صندوق النقد الدولي لشهر أكتوبر الماضي، فإنه سوف يواصل نموه عند عتبة ال 4% في عام 2018 على غرار عام 2017 الذي سجل أفضل أداء له منذ عشر سنوات. وهو ما أكدته كريستين لاغارد رئيسة صندوق النقد الدولي في كلمتها أمام منتدى دافوس الذي انعقد قبل أيام في منتجع دافوس السويسري.
ومع ذلك، ليس كل ما تطالعنا به الصورة يبدو وردياً، ففي ثناياها تكمن بعض المنغصات منها: أن الوضع الاقتصادي العالمي الراهن، بما هو عليه من دينامية بادية على قسمات أوجه أكبر المراكز الاقتصادية العالمية: الاقتصاد الأمريكي، والاقتصاد الصيني، وحتى الاقتصاد الأوروبي رغم استمرار معاناته اعتلالات هيكلية، إلا أن الحذر والتحوط في القراءة المتأنية لبارومتراته (الاقتصادية الكلية والجزئية) وتحليلها، واجب، نظراً لعدم إمكانية توفره على الانطباع الدال على أن نموه قوي وثابت. العملة الأوروبية الموحدة «يورو» التي سجلت نقاطاً أمام الدولار مع مطلع العام الجديد، ليست في مأمن من صدمة يمكن أن يحدثها فشل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تشكيل ائتلاف حكومي. أيضاً فإن الغموض الذي يلف مستقبل المباحثات بين بروكسل ولندن حول خروج آمن للطرفين من «زيجة الاتحاد الأوروبي»، مازال يقلق القطاعين المالي والمصرفي في أوروبا، خصوصاً إذا ما انتقلت عدوى النتائج السلبية لتراجع المبادلات التجارية على المستوى الوطني إلى الصعيد ما فوق الوطني في القارة. وهناك المعضلات التي أثارها قرار الرئيس ترامب بإعادة النظر في اتفاقية «نافتا» بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، والتي ما زالت معلقة وتنتظر مفاوضات يحيط بها الفشل أكثر من فرص النجاح، وهو ما سيؤذن باندلاع موجة من الحمائية في كبريات أسواق الجزء الشمالي من الكرة الأرضية.
أما الأهم بالنسبة للتحديات التي تواجه سعر برميل النفط في أسواق البترول الدولية خلال عام 2018، فهو، بالإضافة إلى التشويش الذي تمارسه من حين لآخر، وبصورة منتظمة ومتصلة، وكالات الأنباء الإخبارية العالمية، على مواقف أوبك تحديداً، وبدرجة أقل على المنتجين الآخرين الرئيسيين من خارج أوبك، حول مصير اتفاق الخفض، والضغط المباشر وغير المباشر عليها من أجل دفعها لإنهاء العمل بالاتفاق وترك سعر البرميل نهباً لنهم ومقامرات المضاربين ومديري صناديق التحوط والصناديق الاستثمارية الأخرى - بالإضافة إلى ذلك، يبرز الإنتاج النفطي الأمريكي الذي سجل قفزة نوعية العام الماضي من الحقول التقليدية ومكامن حقول النفط الصخري الذي كان قد تسبب في التخمة النفطية التي أودت بسعر البرميل صيف 2014 إلى الهاوية، قبل بدء رحلة تعافيه اعتباراً من أواخر العام الفائت. وللحديث صلة.

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top