حوار: عبير أبو شمالة

قال عبدالله محمد العور، المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي، إن قطاعات الاقتصاد الإسلامي في الدولة حافظت على مستويات نمو مستقرة منذ إعلان مبادرة الاقتصاد الإسلامي. وأكد أن هذا النمو يثبت دقة وصواب الاستراتيجية المحدثة للمبادرة والتي وضعت التمويل والقطاعات المعيشية الحلال والإعلام الرقمي، محاور نمو كافة قطاعات الاقتصاد الإسلامي.
وتحدث في حوار مع «الخليج» عن فرص نمو قطاع التكافل الذي يرى أنه يمثل جوهر ثقافة ورسالة منظومة الاقتصاد الإسلامي بشكل عام.
واقترح أن يكون عملاء مؤسسات وشركات التكافل الإسلامي بمثابة مساهمين في صناديق التكافل، وأن تحتسب نسبة مئوية من أرباح هذه الشركات في استثماراتها الأخرى لصالح العملاء، حتى يتسنى تجاوز حالة القلق من قبل العملاء على الرسوم التي يدفعونها سنوياً ويتحقق بذلك مبدأ الشراكة الاجتماعية في توفير غطاء تكافلي للأفراد. وفي ما يلي نص الحوار:

كيف ترون التطور على مستوى أداء الاقتصاد الإسلامي بصفة عامة؟

كما رأينا فإن تقرير واقع الاقتصاد الإسلامي الذي يصدره المركز بالتعاون مع تومسون رويترز ودينارد ستاندرد، حمل هذه السنة مستجدات هامة، فلأول مرة يستطلع التقرير آراء شركات وأفراد حول أهمية الاقتصاد الإسلامي ومستوى أداء قطاعاته. جاءت نتيجة الاستطلاع إيجابية جداً، حيث عبّر 86% من الأفراد المستثمرين عن تفاؤلهم الكبير بمستوى أداء القطاعات، و76و% من المستهلكين أبدوا ثقتهم بالمنتجات، و69% من الشركات اعتبرت أن أداء الاقتصاد الإسلامي ممتاز.
وتشير الآراء الإيجابية من الأفراد إلى تطور كبير في وعي الجمهور حول الجودة والاستدامة وأمن الاستثمارات التي يقدمها الاقتصاد الإسلامي، وهذا مؤشر في غاية الأهمية لأن وعي الجمهور يلعب دوراً حيوياً في تشكيل المنظومة الاقتصادية. أما بالنسبة للشركات فالنتائج الإيجابية للاستطلاع جاءت خلاصة لتجربة هذه الشركات مع منتجات الاقتصاد الإسلامي وأدوات التمويل الآمنة. لا أعتقد أن هناك منظومة اقتصادية قد تحوز على هذه النسبة من الآراء الإيجابية في هذه المرحلة التي تشهد حالة من عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وهذا يشكل دعوة للمستثمرين لتوظيف ثرواتهم في القطاعات الواعدة والمرشحة لنمو مستمر خلال السنوات القادمة.

كيف تقرؤون معدلات النمو لهذه السنة في قطاعات الاقتصاد الإسلامي مقارنةً بالسنوات الماضية؟

- كان النمو سمة ثابتة شملت كافة قطاعات الاقتصاد الإسلامي منذ إطلاق مبادرة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي وحتى اللحظة. النمو المتواصل هو نمو مستدام وهنا تكمن أهمية قراءة مسار تطور القطاعات والمنتجات عندما تتزامن مع التطور في الثقافة والثقة بما يقدمه الاقتصاد الإسلامي وما يمكن أن يضيفه للمساعي الدولية في تحقيق التنمية المستدامة.
كما أثبتت معدلات النمو التي شملت القطاعات الحيوية في الاقتصاد الإسلامي دقة وصوابية الاستراتيجية المحدثة للمركز والتي وضعت التمويل والقطاعات المعيشية الحلال والإعلام الرقمي، محاور نمو كافة قطاعات الاقتصاد الإسلامي. ونحن على ثقة أن الاستراتيجية المحدثة وما سينتج عنها من مبادرات ستعزز من هذا النمو خلال السنوات القادمة وستوفر له ما يحتاج من مظلة تشريعية وتنظيمية ومن مرجعيات معرفية.
هنا يجب التأكيد على أهم مبادئ الاقتصاد الإسلامي وهو أن أولوية الاستثمار يجب أن تكون من نصيب السلع الأساسية والقطاعات الحقيقية التي تستجيب لحاجات الناس اليومية. القطاعات المعيشية، بما فيها الأغذية والمشروبات والملابس نالت النصيب الأكبر من النمو لأنها تتسم بطلب يومي مستمر لا ينقطع ولا يتأثر بمخاطر الاقتصاد العالمي أو الاقتصادات الإقليمية. لقد قلنا سابقاً إن الاستثمار في هذه القطاعات الحقيقية لا يمنح المستثمر الأرباح واستدامة النمو فقط، بل يوفر له الحماية من أي انتكاسات قد يتعرض لها الاقتصاد العالمي. كما أننا على قناعة بأن الاستثمار في إنتاج السلع المادية الأساسية التي أشرنا إليها، هو بحد ذاته ضمان لنمو متواصل على عكس المضاربات المالية في الاقتصاد الوهمي.
من القراءات المهمة التي وردت في التقرير، النمو الملموس في قطاع الإعلام والترفيه الذي بلغ نحو 198 مليار دولار، وفي قطاع السياحة العائلية 169 مليار دولار ومستحضرات الأدوية والتجميل التي وصلت إلى 83 مليار دولار و57 مليار دولار على التوالي.
إن النمو في هذه القطاعات جاء نتيجة للطلب من المسلمين وغير المسلمين على وسائل ترفيه وتثقيف تتوافق مع الأجواء العائلية وتنسجم مع متطلبات التربية والحفاظ على وحدة الأسرة وتماسكها. هناك تنامٍ في وعي استخدام وسائل الترفيه الرقمية يتزامن مع التحذيرات من التأثير السلبي لهذه الوسائل على النشء وعلى العلاقات العائلية والاجتماعية. الاقتصاد الإسلامي يدرك أهمية الجوانب الروحية في حياة الأفراد، ويسعى لإشباع هذا الجانب بوسائل وطرق تسمو بالنفس البشرية وتحفظ القيم والأخلاق التي لا وحدة للمجتمعات بدونها.
وقد أشار التقرير إلى أن الإمارات تفوقت في ثلاثة قطاعات رئيسية وهي الأزياء المحافظة، الإعلام والترفيه، ومستحضرات الأدوية والتجميل الحلال. ونحن ننظر لتفوق الإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص في هذه القطاعات بأهمية بالغة.

إلى جانب تقرير واقع الاقتصاد الإسلامي، أصدرتم بالتعاون مع مركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي تقريراً حول التكافل بعنوان «الاستدامة والنمو 2015 - 2025». ما هي أهم مؤشرات هذا التقرير؟

- قطاع التكافل من أهم قطاعات الاقتصاد الإسلامي لأنه مرتبط بالثقافة الاجتماعية الإسلامية، ومرتبط أيضاً بمدى تطور المؤسسات التي تقدم خدماتها للأفراد والمؤسسات بهدف تحقيق الأمان والاستقرار للجميع. نحن نعتبر أن قطاع التكافل يمثل جوهر ثقافة ورسالة منظومة الاقتصاد الإسلامي بشكل عام، لأن الأصل في النشاط الاقتصادي أن يكون قادراً على خلق بيئة آمنة تحفّز الأفراد على الإنتاج وتوفر لهم مقومات العيش الكريم في كافة الظروف.
أهم ما جاء في التقرير هو خريطة النمو في قطاع التكافل والتي شملت الخليج العربي وشمال إفريقيا والمشرق العربي ودول جنوب شرق آسيا والشرق الأدنى، فهذه الأسواق تعتبر الأكثر نمواً، كما أنها مرشحة لقيادة الاقتصاد العالمي مستقبلاً.
وأشار التقرير إلى ظهور 202 مؤسسة تكافل جديدة على مستوى العالم بين 2003 و2015، وإلى الإمكانيات الهائلة لقطاع التكافل في خلق فرص عمل حيث ورد في التقرير أن أعداد القوى العاملة نمت بنسبة 55% في الفترة الفاصلة بين 2011 و2015. كما توقع التقرير أن يستحدث قطاع التكافل قرابة 40000 فرصة عمل خلال السنوات العشر القادمة.
قراءة مسار قطاع التكافل متفائلة جداً، فنسبة 49% من دول منظمة التعاون الإسلامي لم تدخل بعد قطاع التكافل الإسلامي بالصورة الكافية، ومعدلات النمو في هذا القطاع بلغت 9% كما أشار التقرير وهي نسبة محفزة لتبني مفهوم التكافل واحتضان مؤسساته، إلى جانب مساهمة التقنيات الرقمية في التعريف والترويج للتكافل الإسلامي وفي إثارة الجدل حول تحدياته وتصميم برامج وسياسات لتجاوزها.
من ناحية ثانية، ازداد اهتمام الخبراء بإيجاد حلول تعزز من تنافسية شركات ومؤسسات التكافل الإسلامي، هناك اقتراحات بالدمج بين الشركات الصغيرة وأخرى لتخفيض النفقات التشغيلية، إلى جانب المساعي لتوفير شركات لإعادة التكافل تعمل وفقاً لمبادئ الاقتصاد الإسلامي وضوابطه الأخلاقية.

هل ستتمكن شركات التكافل برأيكم من منافسة شركات التأمين التقليدي؟

- التأمين والتكافل منتجات حساسة جداً، ومدى نجاحها يتوقف على مدى ثقة المستهلك وقناعته بكفاءتها وقدرتها على حمايته وحماية ممتلكاته وأسرته. لقد أثبت قطاع التكافل حتى اللحظة أنه أهل للثقة، وعلى رواد القطاع أن يراعوا تماماً مسألة الثقة وأن تساهم مجمل السياسات في تعزيزها كما هو الحال في كافة منتجات الاقتصاد الإسلامي.
لقد اقترحت مسبقاً أن يكون عملاء مؤسسات وشركات التكافل الإسلامي بمثابة مساهمين في صناديق التكافل، وأن تحتسب نسبة مئوية من أرباح هذه الشركات في استثماراتها الأخرى لصالح العملاء، هكذا نستطيع تجاوز حالة القلق من قبل العملاء على الرسوم التي يدفعونها سنوياً ونستطيع أيضاً أن نحقق مبدأ الشراكة الاجتماعية في توفير غطاء تكافلي للأفراد.

خلال الفترة السابقة أبديتم اهتماماً ملحوظاً بقطاع المعرفة، كيف ينعكس هذا القطاع على مجمل النظام الاقتصادي الإسلامي؟

- الثقافة هي الحد الفاصل بين نظام اقتصادي وآخر، كافة النظم الاقتصادية تشترك في أنها تنتج وتشغل وتدير الأسواق وتتداول السلع والخدمات، لكن الثقافة هي التي تحدد آلية التعامل مع الموارد والبيئة وتحفظ استدامتها، وتحدد حقوق العمال والقوانين الخاصة بهم، وتحدد الأسعار ومعدلات ارتفاعها وترسم مساحات التنمية بحيث لا تستثني أحداً من ثمارها، كما تستحدث المؤشرات لقياس الأداء الاقتصادي آثاره الاجتماعية.

أسباب التفوق في ثلاثة قطاعات حلال

تفوقت الإمارات - ودبي على وجه الخصوص - في ثلاثة قطاعات رئيسية هي الأزياء المحافظة، الإعلام والترفيه، ومستحضرات الأدوية والتجميل الحلال.
هذه القطاعات مؤشر لقدرة دبي على ابتكار وتطوير قطاعات جديدة لتحقيق التكامل لمنظومة الاقتصاد الإسلامي.
الإعلام والترفيه والأدوية ومستحضرات التجميل وحتى الأزياء المحافظة بمعاييرها الجديدة لم تكن معروفة من قبل، أو لم ينظر إليها قبل مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي كقطاعات متكاملة لها معاييرها ومبادئها ومحفزات نموها.
لذا نستطيع القول بكل ثقة إن هذه القطاعات هي ابتكار إماراتي بامتياز يعود الفضل في ظهورها وتسليط الضوء على فرص الاستثمار فيها للمبادرة التي عبرت عن رؤية حكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ولجهود مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي وشركائه الاستراتيجيين الذين استطاعوا أن يوفروا بيئة مناسبة لظهور وتطور هذه القطاعات.

اقتصاد أخلاقي وعادل

قال العور: يأتي اهتمامنا بالمعرفة وتطويرها لمواكبة تطلعاتنا نحو بناء اقتصاد أخلاقي وعادل، وفي هذا السياق وقّع مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي مذكرة تفاهم مع مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة.
الهدف من المذكرة إرساء بنية تحتية متينة وإطار معرفي شامل لتنفيذ المبادرات التي تساعد على تعزيز قواعد ومبادئ الاقتصاد الإسلامي، كما تهدف إلى تمكين الموارد البشرية العاملة في القطاعات الاقتصادية الإسلامية بالعلوم الإدارية والاجتماعية والإنسانية اللازمة لإدارة عمليات الاقتصاد الإسلامي على أسس متينة من المبادئ والأخلاق.

منصة تعليمية

قال عبدالله العور: أطلقنا في هذا العام أيضاً، كتاب «رؤى عالمية حول الاقتصاد الإسلامي الإبداعي»، ويشمل طروحات عن الجوانب الثقافية والفنية في الاقتصاد الإسلامي، هذا الكتاب بمثابة مؤشر على إمكانية الاستثمار في هذه الجوانب وعلى الفرص الواعدة التي تحملها، فالفن والثقافة يشكلان روح أي اقتصاد وقوته كأداة للبناء الحضاري.
ونحن في صدد إطلاق مبادرة لتأسيس المنصة التعليمية في الاقتصاد الإسلامي لتوفير مصادر معرفة موثوقة وغنية بالمعلومات للكوادر والمؤسسات، إلى جانب عدد من الفعاليات التي تركز على إنتاج معرفة عامة لكافة مكونات الاقتصاد الإسلامي.


أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top