استيقظ العالم، خلال الأسبوع الماضي، على كارثة مالية بالهبوط الكبير، الذي سجلته أسواق الأسهم العالمية، وامتدت تأثيراتها إلى أوروبا وباقي أنحاء العالم، ما أثار مخاوف من أن تكون بداية لأزمة مالية عالمية جديدة كتلك التي شهدها العالم قبل سنوات، وتحديداً عندما انهار بنك «ليمان براذرز» في أواخر 2008.
بدأت موجة البيع الضخمة للأسهم في بورصة الولايات المتحدة، الجمعة الماضية، عندما أصدرت وزارة العمل الأمريكية بيانات التوظيف، التي أظهرت نمواً أكبر من المتوقع في الأجور. واستمرت موجات البيع الضخمة للأسهم في البورصات متأثرة بانخفاض المؤشرات الأمريكية عقب صدور التقرير، الذي أثار توقعات بأن قوة الاقتصاد بلغت درجة يحتاج معها بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع معدلات الفائدة بطريقة أسرع مما كان متوقعاً. ويعد ارتفاع رواتب الموظفين مؤشراً على أنهم سينفقون أكثر، وبالتالي يرتفع التضخم (تضخم الدخل النقدي المتمثل في هذه الحالة في الأجور) في البلاد.
أكبر هبوط في يوم لـ «داو»

وتبلورت الأزمة عندما سجل مؤشر «داو جونز» أكبر هبوط خلال يوم واحد في تاريخه في تداولات، الاثنين الماضي؛ حيث فقد 1500 نقطة، وفقد بذلك في يوم واحد كافة المكاسب، التي سجلها خلال عام كامل. وقد تدافع المستثمرون في الولايات المتحدة؛ للهروب من أسواق الأسهم إلى الملاذات الآمنة، وتحديداً نحو سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأمد (لأجل 10 سنوات).
وقد لعبت أجهزة الكمبيوتر والأنظمة الآلية في البورصة الأمريكية دوراً في الهبوط الدراماتيكي، الذي شهدته الأسواق، فالعديد من الخبراء قالوا إن «ثمة مشكلة آلية» وبعض الوسطاء تحدثوا عن أن الأنظمة لم تحتمل «التدافع السريع على البيع» من قبل المستثمرين.

توتر المستثمرين

ثم تفاقمت الكارثة، التي أصابت أسواق الأسهم الأمريكية أيضاً؛ بسبب حالة التوتر التي أصابت كبار المستثمرين في العالم، التي لم تشهد الأسواق لها مثيلاً منذ الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة قبل أكثر من عام؛ وذلك حسبما قال مدير استراتيجيات الأسهم الأمريكية في «جولدمان ساكس» ديفيد كوستن.
ثم انتقلت «المذبحة المالية» التي شهدتها أسواق الأسهم العالمية إلى آسيا، صباح الثلاثاء، مع هبوط مؤشر «نيكي» الياباني بأكثر من 6%، ودخول الأسهم اليابانية في موجة تصحيح سعري.

العملات المشفرة

ولم تنج سوق العملات الرقمية المشفرة من الأزمة؛ حيث هبط سعر»بيتكوين»إلى مستويات الستة آلاف دولار؛ ليكون بذلك فقد نحو 70% من قيمته منذ بلغ أعلى مستوى له مقترباً من 20 ألف دولار في شهر ديسمبر/‏كانون الأول الماضي. ثم وجهت الصين الضربة الأقسى لأسواق العملات الرقمية المشفرة؛ حيث قال بنك الشعب الصيني، إنه سيحظر كافة منصات التداول المحلية والأجنبية لهذه العملات.
وجاء استبعاد رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي «بشكل قاطع» البقاء مع أوروبا ضمن اتحاد جمركي ليشعل مخاوف جديدة بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتأثيرات ذلك على الاقتصاد الأوروبي والعالمي.

الأسهم والسندات

وكان ارتفاع العائد على السندات إلى ما يقرب من 3 في المئة (وبالتالي هبوط سعر السندات الذي يتناسب عكسياً مع العائد عليها) سبباً في جذب السيولة من أسواق الأسهم إلى أسواق السندات، خاصة سندات الدين الحكومي (السندات السيادية). وشهدت أسواق السندات غلياناً في الأعوام الأخيرة ينذر بفقاعة هائلة، ليس فقط لارتفاع معدلات الديون (السيادية وديون الشركات) فحسب؛ بل لأن ذلك له تأثير واسع في الاقتصاد على المغالاة في أسعار الأصول بأكثر من قيمتها الحقيقية بفارق كبير.
وبداية الأسبوع، وصل العائد على سندات الخزانة الأمريكية لمدة 10 سنوات إلى نحو 2.9%، ليتراجع بعد الهبوط الشديد في مؤشرات الأسهم إلى أقل من 2.7%. وتكرر ذلك، الخميس، حين وصل العائد على تلك السندات مرة أخرى إلى 2.9%؛ ولأن صناديق الاستثمار في الأسهم والسندات توزع استثماراتها على السوقين، فإن بيع السندات يعني في أغلب الأحيان شراء السندات وبالتالي «سحب بعض حرارة الغليان من السوق».

تقديرات المستثمرين

وتظل العوامل الأساسية، التي تؤثر في السوق دون تغيير كبير، رغم تقديرات المستثمرين بارتفاع معدلات التضخم في أمريكا والاقتصادات الرئيسية بأسرع من المتوقع. وزاد من تلك التوقعات ما أعلن عقب الاجتماع الشهري للجنة النقدية في بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) عن احتمال الاتجاه لرفع أسعار الفائدة بأسرع وأكبر مما كان مقدراً من قبل. ولأن الأسواق في حالة اهتزاز بالفعل منذ مطلع الأسبوع، جاء رد الفعل على احتمالات رفع الفائدة البريطانية كبيراً، على الرغم من أن الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأمريكي أكد في وقت سابق من هذا الأسبوع أن سياسته النقدية لن تشهد تغييرات كبيرة. وبانتظار الإعلان عن أرقام التضخم في الاقتصاد الأمريكي خلال أيام ستظل أسواق الأسهم في حالة عدم استقرار، بغض النظر عن العوامل الأساسية، التي لا تشهد تغيرات كبيرة تبرر حركة المؤشرات العنيفة تلك.

هل يتدخل «الفيدرالي».. وماذا فعل المستثمرون؟

يحاول مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي) في هذه الحالة السيطرة على الوضع؛ برفع سعر الفائدة. هذا الأمر وإن لم يفعله البنك المركزي حتى الآن؛ لكنه خطوة متوقعة جداً، أثارت مخاوف المستثمرين، الذين كانوا يتوقعون أن يرفع البنك الفائدة لمرتين أو 3 مرات فقط خلال العام. أما الآن فهم يتوقعون رفع سعر الفائدة أكثر من ذلك، ومن هنا بدأت الأزمة في الحدوث. أما المستثمرون فقد تحركوا؛ جرّاء التغير في التوقعات بشأن الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي العالمي، وما يعنيه ذلك بالنسبة لكلفة الاقتراض. وتسارعت وتيرة بيع الأسهم في البورصة. وقالت الخبيرة في الأسواق إيرين جيبس، إن الشركات التي تحركت لبيع الأسهم تهدف إلى ضخ المزيد من الأموال في شكل أصول، مثل السندات التي تستفيد من ارتفاع سعر الفائدة.

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top