ويرنر فوجيلز*

غالباً ما تستغرق التقنيات الجديدة وقتاً حتى تبدأ في الانتشار، إلا أن الأمر قد اختلف تماماً في حالة الذكاء الاصطناعي (AI) وتعلم الآلة (ML)، فقد أصبحا في كل مكان حولنا، وشخصياً، أرى أن الوقت الحالي هو الأفضل للعمل على تطوير تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، ويعود رأيي هذا إلى ثلاثة أمور.
أولاً، أصبح المستخدمون في جميع أنحاء العالم يجمعون بياناتهم إلكترونياً، سواء كان ذلك في العالم الحقيقي أو من خلال أجهزة استشعار أو أنظمة تحديد المواقع أو عبر الإنترنت من خلال تطبيقات قياس زيارات المواقع، ونتج عن هذا حجم بيانات ضخم. ثانياً توجد قدرة حاسوبية بأسعار معقولة في منصات الحوسبة السحابية، قادرة على تمكين الشركات والمؤسسات، بغض النظر عن حجمها، من استخدام التطبيقات الذكية. ثالثاً، يوجد الآن «ثورة خوارزمية» كبيرة، وهو ما يعني القدرة على برمجة تريليونات الخوارزميات في وقت واحد، الأمر الذي أدى إلى تسريع عملية «تعلم الآلة». وهو ما فتح الباب أمام المزيد من الأبحاث التي نتج عنها «كتلة حرجة» من المعلومات والمعرفة اللازمة لبدء نمو هائل في تطوير خوارزميات وبنى جديدة.
وربما نكون قد قطعنا شوطاً طويلاً في مجالي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، إلا أن هذا التقدم حدث بهدوء، وعلى أية حال، فإن الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة كانا على مدى الخمسين عاماً الماضية مجالات لم تكن متاحة إلا للقليل من الباحثين والعلماء. إلا أن هذا تغير الآن، بعدما أصبحت حزم الخدمات وأطر العمل والأدوات الخاصة بالمجالين متاحة لجميع أنواع الشركات والمؤسسات، حتى للمجموعات التي لا تملك أبحاثاً مخصصة في هذا المجال. ويوجد عدد كبير من الشركات الناشئة تستخدم الخوارزميات في كل شيء يمكن تخيله، مثل البحث عن الأورام في الصور الطبية ومساعدة الناس في تعلم اللغات الجديدة أو حتى أتمتة التعامل مع المطالبات في شركات التأمين. وفي الوقت نفسه، أصبحت الفئة الجديدة من التطبيقات القادرة على إجراء محادثة طبيعية مع الإنسان، في صدارة التطبيقات.
وهو ما يعني أنه بمساعدة الرقمنة وأجهزة الحاسوب عالية الأداء، أصبحنا قادرين على مضاهاة الذكاء البشري في بعض المجالات، مثل رؤية الكمبيوتر، وفي بعض الحالات تجاوز حدود الذكاء البشري. وأصبحنا الآن نطور خوارزميات متنوعة لمجموعة واسعة من التطبيقات في مختلف المجالات، وتحويلها إلى خدمات ستجعل الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة متاحاً للجميع.
التقنيات المبتكرة دائماً ما تمضي إلى آفاق أوسع عندما تكون متاحة للجميع، وهذه هي الحال الآن في مجالي الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، وهو ما يختلف تماماً عما كان الأمر في الماضي، حيث كان على كل من يريد استخدام هذه التكنولوجيات أن يبدأ من الصفر، بداية من تطوير الخوارزميات وتزويدها بكميات هائلة من البيانات - حتى في حالة إذا كان التطبيق موجهاً إلى مجال حصري. بالإضافة إلى ارتفاع كلفة تطوير واستخدام تكنولوجيات الذكاء الصناعي. أما اليوم، أصبحت تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة متوفرة على المنصات السحابية، على بعد نقرة واحدة، ويمكن استدعاء أي منها طبقاً لكل حاجة، حتى إن كانوا المستخدمين غير متخصصين فأصبح بإمكانهم وبكلفة معقولة دمجها في خدماتهم الخاصة. وتحديداً الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي يمكنها الاستفادة منها بدون الحاجة إلى تعلم أي من خوارزميات أو تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة المعقدة، ويمكنهم البدء في تجاربهم على الفور دون الحاجة إلى تكبد تكاليف باهظة.
ولهذا السبب فإن الكثير من الواجهات المعروفة لدى المستهلكين اليوم، مثل اقتراحات النصوص أو الكلمات المتشابهة أو ميزة الكتابة التلقائية عند البحث، ما هي إلا عبارة عن خصائص مرتبطة بتعلّم الآلة. كذلك تطبيق منظومة تعلّم الآلة في عدد من المجالات الأخرى، مثل التنبؤ بما تحتويه المخازن أو الفترات الزمنية للبيع، ومتابعة مشاكل المستهلكين والتوصل إلى حلول تلقائياً واستكشاف المنتجات المزورة والتعليقات السلبية، الأمر الذي يساهم في حماية المستهلكين من عمليات الاحتيال.
وفي مجال إنجاز الأعمال المرتبطة بالعديد من قطاعات الصناعة، فنخن نفكر في طرق يمكن من خلالها الاستفادة من الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، تطبيق الذكاء الصناعي على الروبوتات سيحرر الإنسان من القيام بأعمال شاقة من الناحية البدنية أو النفسية، فالآلة تعمل بكفاءة مماثلة، وقد تتعدى كفاءة الإنسان في بعض المهام التي يجدها البشر صعبة، مثل إيجاد الطرق المثلى داخل المستودعات أو نقل البضائع الثقيلة. وعلى النقيض، قد يجد الروبوت الأمر صعباً في بعض المهام السهلة، مثل إدراك وضع الصندوق على الرف الخطأ. إذاً كيف نجمع بين مميزات كليهما؟
وستساعدنا تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة على التخلص من المهام الضارة بصحتنا، أو أن توكل إليها مهام قادرة على إنجازها بشكل أفضل من البشر. وهذا لا يعني أنه لا غنى عنا، ولكن سيساعدنا على التمتع بالمزيد من الحرية الشخصية والاقتصادية، وبعلاقاتنا وإبداعنا، وفي كل مجال آخر يستطيع البشر العمل به أفضل من الآلة. وهذا هو ما يجب علينا أن نضعه نصب أعيننا.

*رئيس قسم التكنولوجيا في «أمازون دوت كوم»

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top