رنا فوروهار*

عرض جوستين ترودو رئيس وزراء كندا، مفهوماً جديداً من خلال خطابه الذي ألقاه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس تلخص في عبارته هذه: «إن وتيرة التغيير لم تكن يوماً ما بهذه السرعة، ومع ذلك فهي الأبطأ تاريخياً».
أعتقد ان هذه هي الرسالة الرئيسية للمنتدى. قد تكون العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام احتفت بخطاب «أمريكا أولاً» للرئيس ترامب، لكن القضية الأهم التي كانت مخفية وغير بادية للمتابعين ربما، هي هشاشة الدولة الوطنية في زمن التغير التكنولوجي.
وتصدر موضوع «الاقتصاد الرقمي والمجتمع» قائمة القضايا الأكثر مناقشة وقبولاً في المنتدى هذا العام، وهذا أمر طبيعي. إلاّ أن السر في دافوس هو أن «الثورة الصناعية الرابعة» التي حظيت بالكثير من الثناء كمصطلح للتعبير عن انتشار الأتمتة، و تراكم البيانات الهائل والذكاء الاصطناعي - هي مصدر تهديد لأمن الكثير من الناس في المدى القصير على الأقل.
إن قدرة مجموعة من الشركات - في مجال التأمين والرعاية الصحية وتجارة التجزئة والسلع الاستهلاكية - على إضفاء الطابع الشخصي على كل نوع من المنتجات والخدمات استناداً إلى تدفقات البيانات، ليست مجرد تحول في نموذج الأعمال؛ بل إنه تحدٍّ أساسي للديمقراطية الليبرالية.
تأملوا التغييرات التي تطرأ في مجال التأمين. فعلى مدى 200 عام تراكمت تجارب القطاع وخبراته في إطار مفهوم تراكم المخاطر بحيث تحتسب معدلات متوسط تكلفة تأمين المنازل الشخصية والسيارات والتأمين على الحياة، ثم تقسم التكلفة استناداً إلى قيمتها المجمعة. وفي عصر البيانات، ستكون شركات التأمين قادرة على اختلاس المعلومات من علب مركبة في سياراتنا أو أجهزة الاستشعار التي صارت جزءاً لا يتجزأ من منازلنا، واستخدامها لتصميم بوالص تأمين على مقاس كل منا.
على سبيل المثال، ربما تفكر في استبدال نظام توزيع وتصريف المياه في منزلك القديم بآخر مزود بأجهزة الاستشعار التي تقيس مدى نجاحه، أو التوقف بسرعة أكبر أمام إشارة مرور حمراء، أو تؤجل كنس الثلوج عن سطح بيتك، لتمنح شركة التأمين المبرر لرفع تقديرها لدرجة مخاطر تأمينك وبالتالي زيادة قيمة البوليصة.
لا شك أن أمامك فرصة للتحايل على كل ذلك، ربما عبر الخيارات المتاحة أمامك في التعاقد مع هذه الشركة أو تلك، وما أكثر العروض التجارية على الشبكة، لكن المشكلة التي تفرزها التقنية والبيانات هي تحديد طبقة من الناس دون مستوى القدرة على شراء بوالص التأمين. فمن الذي يدفع تكاليف التأمين عنهم؟ سيبقى ذلك حكراً على المضاربين في بوالص التأمين أو ربما في التأمين الحكومي.
والمشكلة هي أن الحكومات ليس لديها القدرة على القيام بذلك، لأن عدداً كبيراً من حكومات العالم ينوء تحت مليارات الدولارات من الديون التي نشأت منذ الأزمة المالية، ناهيك عن السياسات الحزبية في الدول الديمقراطية تزيد من صعوبات التوصل إلى توافق في الآراء حول الكثير القضايا. ومع ازدياد التشعب الرقمي، فمن المرجح أن يزداد الشعور بالإحباط حيال الدولة، ما يعزز الحلقة المفرغة من خيبة الأمل جراء خلل السياسية والاقتصاد معاً.
وهناك خطر أكبر يكمن في خنوع الناس والكف عن مطالبة الحكومات وحتى الشركات التي تتّجر ببياناتهم. وهو الموضوع الذي تناوله جورج سوروس في دافوس، حيث أشار إلى أن شركات التقنية «تحث الناس على التخلي عن استقلاليتهم. فهي تبذل جهوداً حثيثة لتأكيد ما أطلق عليه جون ستيوارت ميل مصطلح «حرية العقل» والدفاع عنه. وهناك احتمال أن يجد الناس الذين يكبرون في العصر الرقمي، صعوبة في استعادة عقلهم بعد أن يفقدوه».
وأشار سوروس إلى خطر «التحالفات بين الأنظمة الاستبدادية وهذه الاحتكارات الكبيرة الغنية بتقنية المعلومات والذي قد يعمم في الشركات نفس أنظمة المراقبة القمعية التي تستخدمها تلك الأنظمة المستبدة».
وهذا الكلام ينطبق على ما يجري في الصين، حيث يتم التنسيق الدقيق بين شركات التقنية الكبرى والدوائر الحكومية. والواقع أن بعض خبراء الرقميات الذين تحدثت إليهم شخصياً في دافوس، أعربوا عن سعادتهم فيما يخص سهولة جمع البيانات لكنهم أعربوا في الوقت نفسه عن قلقهم إزاء تبعاتها السياسية.

*كاتبة في فاينانشيال تايمز

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top