أندريه موفكان*

تكاد البنوك الروسية المملوكة للقطاع الخاص تنهار واحداً تلو الآخر. فقد شهد العام الماضي فشل مصرفين اثنين بفارق أسبوع واحد بينهما. وشهدت السنوات الـ17 الماضي إلغاء تراخيص 2600 بنك خاص من أصل 3 آلاف ترخيص مسجلة. وخلال سنوات متتالية من سوء الإدارة تسبب البنك المركزي الروسي في تحويل النظام المصرفي في البلاد إلى بؤرة للفساد والمحسوبيات ما يستدعي إعادة بنائه من الصفر.
وظهر القطاع المالي الروسي المعاصر في التسعينات على أنقاض النظام المصرفي السوفييتي. وركزت البنوك التي تسيطر عليها ثلة من الأثرياء الروس، على تراكم المديونيات لتمويل مشتريات المساهمين من خصخصة المؤسسات. وحصدت المصارف أرباحها من أنشطة مشبوهة بما في ذلك غسل الأموال والتهرب الضريبي. وبينما فشلت بنوك كثيرة في نهاية الألفية، لم يفلح من بقي منها على قيد الحياة في التحول إلى مؤسسات شرعية قادرة على تحقيق الربحية وخدمة الاقتصاد الوطني. وتوقع المصرفيون أن يغطي النمو الاقتصادي الروسي الذي يغذيه ارتفاع أسعار النفط الخسائر المخفية إلا أن ذلك لم يحدث.
وقد تبددت تلك الآمال بسبب الأزمة المالية العالمية عام 2008. وبعد خمس سنوات من الركود الاقتصادي، كان من المفترض ترميم القطاع المصرفي المبعثر. ولكن عمليات الاندماج والاستحواذ كانت نادرة لأن البنك المركزي الروسي خلق الظروف التي تجعل المعاملات المحظورة وتشتيت الأصول أكثر ربحية.
وقد وضع البنك المركزي لوائح متشددة تشل قدرة المؤسسات على العمل بصورة قانونية. ويتطلب إعداد التقارير ومتابعة السجلات الروتينية من المصارف الروسية خمسة أضعاف عدد الموظفين لكل دولار تقرضه مقارنة مع نظرائهم الأمريكيين.
وفي ظل هذا المناخ بحثت المصارف عن مخارج لها تتعارض مع القانون حيث منحت القروض لقاء ضمانات وهمية مع تضخيم قيم الأصول والمبالغة في تقدير رأس المال النظامي من خلال التعامل مع الشركات التابعة لها. وعادت عمليات غسل الأموال وشراء القطع الأجنبي للتخلص من الروبل. وبلغت نسبة ودائع البنوك المستنفدة في صفقات عالية درجة المخاطر خلال السنوات الـ15 الماضية، بما فيها تحويلات العملاء إلى الخارج 80% من إجمالي عملياتها.
ومن المفارقات العجيبة أنه على الرغم من قواعده الصارمة، فإن البنك المركزي لا يمارس سلطته عندما يتعلق الأمر بالإشراف. ولم يسبق له أن تنبأ بأي أزمة ويتملص دائماً من المسؤولية خاصة عندما يتعلق الأمر بحيازة البنوك الخاصة كميات من سندات الحكومة الروسية تتجاوز قدراته.
ولم تنجح آليات السوق في تنظيم القطاع المصرفي الروسي حيث سحب قانون ضمان الودائع الذي أصدره البنك المركزي والقاضي بضمان كل وديعة لا تتجاوز 25 ألف دولار، البساط من تحت هيئة تنظيم القطاع التي تتابع مخاطر الاستثمار.
وقد سمح البنك المركزي للبنوك الروسية بالتنصل من واجباتها الأساسية وهي الوساطة بين القطاع المصرفي وأسواق المال والتي من شأنها تحويل ودائع العملاء إلى استثمارات في الشركات الروسية والسندات السيادية.
وبما أن تدفق الأموال يتسبب في تضخم أسعار السوق، فإن البنوك تعيد شراء السندات من البنك المركزي عدة مرات باستخدام الرافعة المالية الكبيرة لتحقيق عوائد أعلى. ويحول تضخيم الأسعار دون إقدام المستثمرين من طرف ثالث على شراء الأصول كونها فقدت جاذبيتها.
ويحتاج النظام المصرفي إلى سلطة إشراف مستقلة عن البنك المركزي. وينبغي منع بنوك التجزئة من الاستثمار في الأصول غير السائلة. أما سوق الأوراق المالية السائلة فيفتح أمام المستثمرين. ويمكن لمؤسسات الإقراض غير المصرفية أن تشجع السوق على التمييز بين أنشطة الإقراض والأعمال التجارية من أجل الحد من مخاطر المعاملات المالية البحتة. ولكي يلعب عنصر مخاطر السوق دوره التحفيزي، ينبغي ألا يغطي التأمين على الودائع كامل الرصيد.
وبدون هذه التدابير سيبقى القطاع المصرفي الروسي فاشلاً وعقيماً يخدم فقط ثلة من الأثرياء الذين يعرفون خفاياه ويتلاعبون بالقائمين عليه.

*زميل في مركز «كارنجي» موسكو

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top