عانت الأسواق العالمية تراجعات حادة على مدار الأربعة الأيام الماضية «السوداء»، كما حرص المحللون على وصفها، أفقدتها نحو 4 تريليونات دولار، بعد مكاسب قياسية حققتها خلال الثمانية أيام السابقة عليها، فيما اعتبره محللون نوعاً من تصحيح الأوضاع، مبتعدين عن وصف ما حدث بالانهيار، كونه ليس ناتجاً عن أزمة اقتصادية، بل مجرد ارتداد هبوطي طبيعي من ارتفاعات متواصلة قياسية، مؤكدين أن الأمر ليس مدعاة للقلق، وهو ما انعكس على سلوك المستثمرين في مختلف الأسواق.
هوت أسواق الأسهم العالمية لليوم الرابع على التوالي أمس بعد أن شهدت موجة بيع جماعية بلغت 4 تريليونات دولار، لتبدد بذلك جميع المكاسب القياسية التي وصلت إليها قبل 8 أيام. وبدأت البورصات الرئيسية في أوروبا تعاملاتها بانخفاض بنسبة 3%، ما ترك أمام المستثمرين خيارات ضئيلة، لذا لجأوا إلى الخيارات التقليدية مثل الذهب والين الياباني، بالإضافة إلى السندات الحكومية، الأمر الذي حفّز موجة البيع الشاسعة.
قدمت العقود الآجلة في وول ستريت بصيص أمل للمستثمرين، حيث ارتفعت قليلاً، إلا أن أسهم السلع عانت أيضاً، مع تراجع النفط والمعادن، بعد أفضل بداية سنوية لها. واعتبر البعض أن عملية بيع الأسهم كانت تصحيحاً بعد الارتفاع السريع الذي شهدته خلال العام الماضي، إلا أن هذه الموجة وصلت إلى آسيا ثم أوروبا، الأمر الذي أثار مخاوف بين المتعاملين. وعلى أثر ذلك، تراجع مؤشر «داو جونز» ومؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 4.6% و4.1% على التوالي يوم الاثنين، وهو أكبر انخفاض لهما منذ أغسطس/‏آب من العام 2011، كما كان أكبر انخفاض لمؤشر «داو جونز» على أساس النقاط على الإطلاق.

عمليات بيع

وأدت عملية البيع في أوروبا إلى تراجع مؤشر «ستوكس 600» إلى أدنى مستوى له في 6 أشهر، كما كان هناك تداول مكثف بما يزيد على 40% من متوسط حجم التداول اليومي على مؤشري «داكس» و«ستوكس 50». وفي آسيا، انخفض مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 3.4%، وتراجع مؤشر تايوان الرئيسي بنسبة 5% وهو الأعلى منذ العام 2011، في حين انخفض مؤشر «هانج سنج» في هونج كونج بنسبة 4.2%. وفي اليابان، انخفض مؤشر «نيكاي» بنسبة 4.7%، وهو أسوأ انخفاض له منذ نوفمبر 2016.

عوائد السندات

وكان المحفز الرئيسي لموجة البيع هو الارتفاع الحاد لعائدات السندات الأمريكية في نهاية الأسبوع الماضي، بعد أن أظهرت البيانات ارتفاع الأجور في الولايات المتحدة بأسرع وتيرة منذ العام 2009. وهذا الأمر أثار مخاوف بشأن ارتفاع معدلات التضخم مع ارتفاع أسعار الفائدة. وقد يكون ذلك الأمر مؤلماً للأسواق التي تدعمها حوافز البنوك المركزية لسنوات عديدة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات لتصل إلى 2.885% يوم الاثنين وهو أعلى مستوى لها منذ 4 سنوات، وبزيادة قدرها 47 نقطة أساس منذ نهاية العام 2017. إلا أن الانخفاض الهائل في قيم الأسهم أدى إلى حدوث تراجع في عوائد السندات الألمانية بواقع 5 نقاط أساس، وهو أكبر انخفاض لها منذ أكثر من شهرين.

تجنب المخاطر

وحرصاً على تجنب المزيد من المخاطر، يقوم المستثمرون بإغلاق مراكزهم في الأصول الأخرى، بما في ذلك سوق العملات، حيث إنه من أكثر الخيارات شعبية بالنسبة لهم هي بيع الدولار مقابل اليورو والعملات الأخرى التي ينظر إليها على أنها تستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة. وتراجع اليورو خلال تعاملات الاثنين، لكنه عاد ليرتفع إلى 1.2435 دولار لكل يورو يوم الثلاثاء، صعوداً من أدنى مستوى له في الأسبوع الماضي عند 1.2335 دولار. وفي مقابل الين، الذي يستخدم غالباً كملاذ آمن بفضل الفائض في ميزانية اليابان، تراجع الدولار بنسبة 0.2% إلى 108.86 ين، قبل أن يرتفع قليلاً إلى 109.3 ين. وتراجعت أسعار النفط أيضاً، حيث سجلت عقود برنت الآجلة مستوى قياسياً له في شهر واحد قبل أن يتعافى ويصل إلى 67.28 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 0.5% أمس. وتداولت العقود الآجلة للخام الأمريكي عند 63.87 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 0.6%، في حين ارتفع الذهب لليوم الرابع على التوالي عن 1340 دولاراً للأونصة.

نزول أوروبي

وحول تداولات الأمس، هبطت مؤشرات وول ستريت عند افتتاح جلسة التداول الصباحية لليوم الثالث على التوالي في مسار متسارع رغم تأكيد المحللين على أن أساسيات الاقتصاد سوف تحول دون انهيار الأسهم. وفقدت المؤشرات مزيداً من النقاط تصدرها داو جونز الذي تراجع 63.30 نقطة بما يعامل 0.24% إلى 24288.92 نقطة، كما تراجع ستاندرد آند بورز 500 نحو 12.83 نقطة تعادل 0.48% إلى 2634.07 نقطة، ونزل ناسداك 37.01 نقطة تعادل 0.53% إلى 6930.59 نقطة.
نزلت الأسهم الأوروبية لأقل مستوى منذ أغسطس/‏آب 2017 مع اشتداد موجة البيع العالمية وزيادة التقلبات بفعل المخاوف المتنامية بشأن التضخم وارتفاع عوائد السندات. وتراجعت جميع مؤشرات القطاعات ليهبط مؤشر ستوكس 600 للأسهم الأوروبية للجلسة السابعة على التوالي. ويخشى المستثمرون أن تدفع عودة التضخم البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية بخطى أسرع من المتوقع، لتقلص برامج التحفيز التي ساهمت على مدى سنوات في تعزيز قيم الأسهم وصعدت بالأسهم الأوروبية لأعلى مستوى في عامين في يناير.

مكاسب قليلة

ومن أكبر الخاسرين سهم أوكادو الذي نزل 7.1 في المئة بعد أن استقرت الأرباح الأساسية لشركة التجزئة الإلكترونية البريطانية للعام كاملاً لتأتي دون التوقعات. ونزل سهم بابكوك أربعة بالمئة بعدما خفضت توقعاتها للإيرادات. ومن بين الأسهم القليلة التي سجلت مكاسب سهم أنتيسا سان باولو الذي زاد 0.4 بالمئة بعدما تعهد أكبر بنك تجزئة إيطالي بخفض قروضه المتعثرة للنصف وزيادة الإيرادات كثيراً وخفض التكاليف بموجب خطة مدتها أربع سنوات. وقال متعاملون إن السوق رحبت بخطة توزيعات أنتيسا. وقفز سهم إيه.إم.إس 7.9 بالمئة بعد أن أعلنت شركة صناعة الرقائق نمو أرباح الربع الأخير، إذ استفادت المجموعة ومقرها النمسا من زيادة الطلب على أجهزة الاستشعار التي تصنعها لمنتجي الهواتف الذكية مثل أبل. وفي أنحاء أوروبا، تراجع فايننشال تايمز 146.09 نقطة تعادل 1.99% إلى 7188.89 نقطة، وهبط داكس الألماني 263.37 نقطة تعادل 2.08% إلى 12424.12 نقطة، ونزل كاك الفرنسي 125.58 نقطة تعادل 2.38% إلى 5160.33 نقطة.

تراجعات حادة في آسيا

وسجلت أسواق المال في آسيا تراجعاً حاداً متأثرة بانخفاض وول ستريت، حيث سادت حالة من الهلع بين المستثمرين بعد أشهر من الارتفاع في بورصة نيويورك. ففي بورصة طوكيو سجل مؤشر نيكاي للشركات الكبرى انخفاضاً نسبته أكثر من 6 بالمئة وهو أمر غير مسبوق منذ انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الذي أدى إلى حالة هلع آنية. وفي دول أخرى في المنطقة، انخفضت بورصة سيدني 3 بالمئة وهونج كونج حوالي 5 بالمئة وشنغهاي أكثر من 2 بالمئة.هبوط قوي في الهند
وأنهت الأسهم الهندية تعاملات أمس بتراجع كبير في ظل موجة التراجع القوية التي تضرب أسواق الأسهم العالمية. وتراجع مؤشر سينسكس 30 الرئيسي بمقدار 1200 نقطة فور بدء التعاملات قبل أن يقلص خسائره إلى 1031.49 نقطة أي بنسبة 2.97% مقارنة بمستواه أمس إلى 33725.67 نقطة في تعاملات الظهيرة. وتراجع مؤشر «إس أند بي سي.إن.إكس نيفتي 50» الأوسع نطاقاً بمقدار 314.50 نقطة أي بنسبة 2.95% إلى 10352 نقطة. جاءت خسائر الأسهم الهندية في إطار تراجع الأسواق الآسيوية ككل بعد التراجع الحاد للأسهم الأمريكية في تعاملات أمس.

صفقات

وقال ستيفن إينيس مسؤول الصفقات في منطقة آسيا المحيط الهادئ لدى مجموعة واندا، رداً على سؤال لوكالة «فرانس برس» إن المستثمرين مقتنعون بأن التضخم يعود، وأن معدلات الفائدة سترتفع أكثر مما كان مقدراً. فيما قال توشيهيكو ماتسونو المحلل في «إس إم بي سي نيكو ستكيوريتيز» إن هذا التراجع المفاجئ يشكل صدمة لأنه يأتي بعد سلسلة ارتفاعات غير مسبوقة منذ 26 عاماً سجلت منذ مطلع العام في كل من نيويورك وطوكيو. وأضاف أن الأسواق تمر الآن ب«مرحلة تصحيحية»، إذ إن مؤشر نيكاي خسر أكثر من 10% بالمقارنة مع أعلى مستوى له في 23 كانون الثاني/‏يناير، على غرار مؤشر داو جونز الذي تراجع الاثنين اكثر من 10 بالمئة خلال الجلسة عن المستوى القياسي الذي سجله في 26 ‏يناير.

مخاوف المستثمرين

وكان المحلل نفسه قال في وقت سابق إن السوق يتفاعل مع مخاوف المستثمرين من التضخم، واحتمال تراجع الاقتصاد الأمريكي في الوقت الذي ارتفعت فيه معدلات الفائدة بسرعة كبيرة. ويمكن أن تشهد البورصات الأوروبية التي كانت مضطربة الاثنين جلسة جديدة صعبة بدون أن تستلم لحالة الهلع في آسيا، حيث تميل الأسواق إلى المبالغة في رد فعلها، كما قال إينيس. وتمثل العملة اليابانية ملاذاً للمستثمرين مقارنة مع العملة الخضراء في فترات التقلبات. وقد ارتفع سعر الين مقابل الدولار مسجلاً 109,23 ين للدولار مقارنة مع 109,91 ين للدولار عند إغلاق الاثنين.

العملات الافتراضية

والانخفاض طال أيضاً العملة الافتراضية «بتكوين» الذي يسجل تراجعاً منذ أسابيع. وقد واصل انخفاضه ونزل دون 6 آلاف دولار، بينما كان يبلغ عشرين ألف دولار في كانون الأول/‏ديسمبر. وعلى الرغم من كل هذه التراجعات يبدو المراقبون مطمئنين. وقال ستيفن إينيس إن الوقت حان لإجراء تصحيح، مؤكداً أنه لا يرى أي مؤشرات تدل على «انهيار». وقال بيتر غارنري المحلل لدى مجموعة «ساكسو بنك» إنه يعتقد أنه تصحيح سليم خلال فترة قصيرة. من جهته، قال شون فنتون المسؤول المالي في مجموعة «تريبيكا إينفستمنت بارتنرز» في سيدني لوكالة «بلومبرج» إن هناك إمكانات لعمليات شراء أيضاً، ربما ليس اليوم لكن في وقت لاحق خلال الأسبوع، بعد عمليات البيع الكبيرة. (وكالات)


أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top