حوار: عبير أبو شمالة

أبدى رالف هامرز، الرئيس التنفيذي لمجموعة هولندا الدولية المصرفية «آي إن جي»، الذي تتخذ من العاصمة الهولندية أمستردام مقرا لها، تفاؤله حيال مستقبل نمو الاقتصاد العالمي في العام الجاري، وتوقع أن يسجل الاقتصاد العالمي هذا العام نمواً يصل إلى 3.1%، مرجحاً أن يشهد نمو الإمارات والمنطقة بدوره تحسناً هذا العام. وأضاف هامرز في حوار لـ«الخليج» أن التدابير التي اتخذتها الدولة هي الأكثر فعالية في مواجهة التراجع في أسعار النفط بما في ذلك طرح ضريبة القيمة المضافة.
تحدث عن تصوره لبنك المستقبل قائلاً إنه سيكون مصرفاً يستهدف تمكين الناس، سواء في الحياة أو في الأعمال التجارية، ويستخدم قدرات البيانات المتقدمة لتعميق وتوسيع علاقته بالعملاء، بدلا من توسيع الميزانية العمومية. كما أن بنك المستقبل ينبغي أن يوفر تجربة مميزة للعملاء تتسم بالوضوح والسهولة والاتساق والراحة، ويقدم منصة رقمية يمكن للأشخاص والشركات الوصول إليها بسهولة لتلبية جميع احتياجاتهم المالية والتمويلية ذات الصلة..وفيما يلي نص الحوار:

كيف تقيّمون واقع الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن؟

- نحن متفائلون عموماً ونعتقد أن الاقتصاد العالمي يشهد نمواً متزامناً في مختلف المناطق، كما توقع الخبراء الاقتصاديون في المجموعة أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3% خلال عام 2017 و3.1% في 2018. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية ظلت القاطرة التي تقود دفة الاقتصاد العالمي لفترة طويلة، فقد شهدت الآونة الأخيرة تطورات وأرقاماً مشجعة جاءت من أوروبا وآسيا أيضاً.
ومن جهته يواصل اقتصاد منطقة اليورو تسجيل أداء يتجاوز التوقعات، وعاودت مستويات الثقة بين الشركات والمستهلكين تحسنها في الربع الثالث من 2017. وفي ظل عدم وجود دلائل على تباطؤ كبير، فإن توقعاتنا الحالية تشير إلى بلوغ معدل النمو 2.3% لعام 2017 و2% لعام 2018، وهي معدلات أفضل بكثير مما كان متوقعاً بداية العام الماضي.
أما الاقتصاد الأمريكي فهو يشهد تحسناً مطرداً، حيث جاءت نتائج استطلاعات رأي قطاع الأعمال عند أعلى مستوى لها خلال عقدٍ من الزمن وسجلت البطالة أدنى مستوياتها منذ 16 عاماً، لذلك فهناك الكثير مما يدعونا للتفاؤل. وفي ظل التحسن المتواصل في الطلب الخارجي، قمنا بمراجعة توقعاتنا لمعدل النمو لعام 2018 كاملاً إلى 2.7%، ومعدل النمو المتوقع للناتج المحلي الإجمالي لعام 2017 إلى 2.2%.

كيف ترى أداء الاقتصاد الإقليمي، خاصة في دولة الإمارات؟

- بطبيعة الحال، عانت اقتصادات دول مجلس التعاون من ضعف الأداء خلال الجزء الأكبر من عام 2017 بسبب تراجع أسعار النفط الذي تسبب في ضعف معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي. لذلك شرعت حكومات المنطقة في اتخاذ تدابير لخفض الإنفاق، غير أن التدابير التي اتخذتها الإمارات ربما تكون هي الأكثر فعالية مع إقرار ضريبة القيمة المضافة ودمج بعض المؤسسات الحكومية ذات الصلة. ولكن الأكثر إثارة للاهتمام على الأرجح تمثل في زيادة مساهمة القطاع غير النفطي بالدولة في دخل الاقتصاد الوطني، ما يعكس تقدماً جيداً في جهود التنويع الاقتصادي. ونعتقد بأن استقرار أسعار النفط، إضافة للتدابير المذكورة، كفيلان بضمان استمرار المنطقة في توفير فرص نمو مجزية وهو ما سيتيح لنا تسخير خبراتنا الطويلة في القطاع المصرفي لخدمة عملائنا وتلبية احتياجاتهم المالية في هذه البقعة المهمة من العالم.

كيف ترى مستقبل القطاع خلال السنوات الخمس المقبلة؟

- من الواضح أن المصارف المستقبلية ستكون مختلفةً جدًا عما نراه اليوم. ومن المفيد لنا، عند محاولة تصور الغد، أن نستلهم مسيرة الموزعين الرقميين الرائدين في عالم اليوم، وعلى رأسهم ما يسمى ب«المنصات» التي تعتبر المثال الأنجح في هذا المجال. فشركات مثل «جوجل» و«أمازون» و«فيسبوك» كلها منصات، وفي نفس الوقت تصنف ضمن قائمة أضخم عشر شركات مدرجة في العالم. فقد مكنت تقنيات الهواتف النقالة والنظام الرقمي هذه الشركات من تحقيق نمو سريع أتاح لها الوصول لهذا الحجم الضخم بتكاليف هامشية تقترب من الصفر على صعيد الربط والإنتاج والتوزيع، ودون الحاجة غالباً إلى أصول مملوكة. وقد شهدت المصارف تطورات مماثلة عبر الاستغناء عن الوسطاء في مجال الخدمات المصرفية للشركات.
وإذا ما طبقنا هذا الأمر على القطاع المصرفي، فإنني أرى ضرورة توفر مجموعة من المكونات والعوامل الرئيسية الضرورية لتحقيق النجاح المستدام. فرؤيتي أن بنك المستقبل هو مصرف يستهدف تمكين الناس، سواء في الحياة أو في الأعمال التجارية، ويستخدم قدرات البيانات المتقدمة لتعميق وتوسيع علاقته بالعملاء، بدلا من توسيع الميزانية العمومية. كما أن بنك المستقبل ينبغي أن يوفر تجربة مميزة للعملاء تتسم بالوضوح والسهولة والاتساق والراحة، ويقدم منصة رقمية يمكن للأشخاص والشركات الوصول إليها بسهولة لتلبية جميع احتياجاتهم المالية والتمويلية ذات الصلة. كما أن مصرف المستقبل سيكون جزءاً من محيطٍ حيوي أوسع يتجاوز نطاق الخدمات المصرفية، ومدعوماً بعروض تكميلية من أطراف ثالثة (بمن في ذلك مقدمو الخدمات المالية الآخرون). وسيكون بنك المستقبل كذلك مرتبطًا بالمنصات والأنظمة الأخرى حيث يقضي المستهلكون معظم وقتهم على الإنترنت، مما يتيح سهولة الوصول إلى الخدمات المالية في أي وقت وأي مكان. ويبقى بناء ثقافة مصرفية يكون العميل محور اهتمامها، وتركز على الابتكار المستمر، هي العنصر الأهم في تحقيق كل ذلك.

هل لك أن تحدثنا بقليل من التفصيل عن استراتيجية التحول الرقمي للمجموعة؟ وما هي خططكم المستقبلية؟

- في العام الماضي، أعلنت «آي إن جي» عن عددٍ من الخطوات المهمة استعداداً للمرحلة القادمة من مسيرة نمونا وتطورنا، حيث نخطط لاستثمار 800 مليون يورو على مدى السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، نعتزم توحيد عملياتنا في هولندا وبلجيكا ضمن منصة مصرفية متكاملة واحدة. أما في إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا وجمهورية التشيك، فإننا نقوم بتطوير منصة موحدة تحت اسم «آي إن جي موديل بنك» (Model Bank). وفي ألمانيا، نعمل على تطوير وتحسين منصتنا الرقمية بما يسهم في تعزيز نجاح عملياتنا في هذه السوق المهمة. ونواصل المضي قدماً لتسريع جهودنا الرامية لتبسيط تجربة عملائنا من قطاع الشركات الكبرى على مستوى كافة المنتجات والخدمات وضمن أكثر من 40 سوقاً ننشط فيها بما في ذلك منطقة الخليج.

ما هو تأثير اللوائح والإجراءات الجديدة التي تنظم عمل القطاع المصرفي العالمي؟

- نحن نؤيد تنظيم العمل المصرفي لأنه في نهاية الأمر يصب في مصلحة العملاء وكافة الأطراف المعنية الأخرى. ومع ذلك، نحن قلقون من الغموض التنظيمي الذي يعوق اتخاذ القرارات الاستراتيجية ويدفع البنوك إلى التمسك بخيارات استباقية استراتيجية، والتي قد تكون غير ملائمة للاقتصاد بشكل عام.

ما هي التحديات الرئيسية التي تواجه القطاع المصرفي عالميا؟ وما هي التحديات الأكثر إلحاحاً التي يواجهها البنك؟

- يتمثل التحدي الأكبر لقطاعنا، حتى الآن، في مواصلة تقديم خدمات تواكب وتلبي احتياجات عملائنا. ولا يزال الناس بحاجة إلى الخدمات التي نقدمها، بما في ذلك معالجة المدفوعات وحلول الادخار أو تمويل استثمارات كبيرة. ويبحث العملاء اليوم، وأنا واحد منهم، عن جيل جديد من الخدمات المالية التي تجنبهم عناء إجراء معاملاتهم المالية بشكل شخصي من خلال الفروع. وبناء عليه، ظهر اليوم منافسون جدد لنا يتمثلون في شركات التكنولوجيا المالية الصغيرة وكذلك شركات التكنولوجيا الكبيرة. وتقوم شركات التكنولوجيا هذه بتسخير التكنولوجيا (عبر الأجهزة المتنقلة) لاستهداف أجزاء معينة من سلسلة قيمة الخدمات المالية، ولا سيما تلك التي تكون غير فعالة أو غير محبذة من قبل العملاء. ومما لا شك فيه أن هناك الكثير من الدروس التي يمكن أن نتعلمها من هؤلاء المنافسين الجدد.

كيف ترى البيئة التشريعية المحلية والإقليمية؟

- على مدى السنوات القليلة الماضية، قمنا بتوسيع نطاق تغطيتنا وتعزيز فرق عملنا المتخصصة بالأسواق المالية للاستفادة من الفرص المحتملة في ظل الإصلاحات الاقتصادية المتزايدة التي تشهدها المنطقة. وننظر باهتمام إلى مجتمع التكنولوجيا المالية الإقليمي ونتطلع إلى تحديد مجالات التعاون الممكنة فيه لتوسيع نطاق أعمالنا. ونسعى إلى زيادة حصتنا من التدفقات التجارية في هذه المنطقة التي تمثل جسراً يربط بين أوروبا وآسيا وإفريقيا.

حماية هامش الفائدة

حول الآثار المتوقعة لارتفاع أسعار الفائدة على القطاع بشكل عام و«آي إن جي» بشكل خاص قال رالف هامرز: بتنا نلمس آثار الانخفاض الكبير جداً لأسعار الفائدة إلى جانب منحنى العائد المستقر إلى حد كبير. وقد تمكنا من حماية هامش الفائدة المطبق لدينا على مدى السنوات الماضية من خلال ضبط التكاليف بصرامة، إلى جانب التركيز على المنتجات ذات الهامش الأعلى مثل قروض الشركات الصغيرة والمتوسطة والتمويل الصناعي بدلاً من قروض الرهن العقاري، على سبيل المثال. وتقوم استراتيجيتنا، والتغييرات التي أجريناها بخصوص ذلك قبل عام، على سيناريو استمرار بقاء معدلات الفائدة عند مستويات منخفضة لفترة أطول. وفي ظل الظروف الاقتصادية الإيجابية التي نشهدها في الوقت الحالي، نرى أن البنوك المركزية تتحرك بحذر نحو تشديد السياسة النقدية. ولكن بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، فإننا نعتقد بأنه لن تكون هناك أي زيادة لأسعار الفائدة قبل العام 2019، بحسب تقديراتنا.

مراقبة مفاوضات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي

قال رالف هامرز:لم تحقق مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تقدماً كبيراً خلال الأشهر الماضية. ومع اقتراب موعد انتهائها، يزداد مستوى الغموض، مما ينعكس سلباً على الاقتصاد. وفي الحقيقة، لم نرَ أي تأثيرات ملموسة على أعمالنا حتى الآن ولا نتوقع حدوث تغييرات جوهرية في أنشطتنا. يتواجد مقرنا الرئيسي، كمؤسسة مصرفية، في منطقة الاتحاد الأوروبي ونتمتع بحضور كبير في جميع الاقتصادات الكبرى. ولا نزال ملتزمين بتطوير أعمالنا في المملكة المتحدة، ودعم قاعدة عملائنا المحليين والعالميين من خلال عملياتنا في لندن. وبالطبع، سنواصل مراقبة المفاوضات عن كثب وسننظر في أي تعديلات ضرورية قد تتطلبها البيئة التنظيمية الجديدة.

37 مليون عميل

حول فرص النمو قال الرئيس التنفيذي لمجموعة «آي إن جي»: منذ الإعلان عن استراتيجيتنا المستقبلية، في مطلع العام 2014، شهدت «آي إن جي» نمواً مستمراً في قاعدة عملائها الأفراد بنحو 1.5 مليون عميل سنوياً، ليرتفع إجمالي عدد عملائها إلى حوالي 37 مليون عميل حالياً. ويعزى السبب في ذلك إلى أن آلاف العملاء الأفراد في كل من ألمانيا وإسبانيا وأستراليا وإيطاليا والأسواق التسعة الأخرى التي نقدم فيها خدمات مصرفية للأفراد، يفضلون التعامل مع «آي إن جي» نظراً لسهولة إجراءاته، وتجربة العملاء المتميزة التي يقدمها. ونعتزم مواصلة تقديم هذه التجربة الفريدة لعملائنا عبر تزويدهم بخدمات أفضل تتميز بكونها فورية وشخصية وسلسة .


أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top