دبي: عبير أبو شمالة

دعا صندوق النقد الدولي الدول العربية للتركيز على سياسات الإنفاق في المرحلة القادمة بما يشمل رفع الدعم عن الطاقة وخفض فاتورة الأجور، وقالت كريستين لاجارد مدير عام صندوق النقد الدولي، إن سياسة الإنفاق على وجه التحديد تساهم بدور حيوي في دعم وتعزيز النمو المستدام والاحتوائي الذي تنشده دول المنطقة، كما أن رفع كفاءة الإنفاق أيضاً يحرر موارد يمكن توجيهها للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
جاء ذلك خلال «المنتدى الثالث للمالية العامة في الدول العربية: الآفاق والتحديات في الدول العربية»، الذي ينظمه صندوق النقد العربي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، بحضور عبيد حميد الطاير، وزير الدولة للشؤون المالية في الإمارات، وكريستين لاجارد، مدير عام صندوق النقد الدولي، ومشاركة وزراء المالية العرب ومحافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، وعدد من رؤساء المؤسسات المالية الإقليمية والدولية.
وتحدثت لاجارد في كلمتها عن المعطيات الاقتصادية الراهنة على الساحة العالمية وتأثيراتها على المنطقة قائلة، إن التعافي الاقتصادي اكتسب قوة أكبر على مستوى العالم وإن النمو عاد من جديد بمعدل 3.9% في عامي 2018 و2019 ليشمل 75% من الاقتصاد العالمي. لكن هذه الموجة لاتحقق الدفعة الكافية لهذه المنطقة.
ولفتت إلى التفاوت في الأداء بين دول المنطقة؛ فبالنسبة للبلدان المصدرة للنفط، تعافت أسعار النفط إلى النقطة المتوسطة بين مستوياتها الدنيا والمستويات العليا التي سجلتها منذ بضع سنوات، وهو ما يظل يفرض ضغطاً كبيراً على أرصدة المالية العامة ويقتضي اعتماد نموذج اقتصادي مختلف.

مسار مستدام

أما البلدان المستوردة للنفط، فمن المتوقع أن تحقق نمواً أعلى لكنه لا يقترب بأي حال من المستوى اللازم لتوفير وظائف كافية للشباب الداخلين إلى سوق العمل. وقد استمر ارتفاع الدين العام في هذه البلدان، حتى تجاوز 50% من إجمالي الناتج المحلي في كثير منها.
وتحدثت عن البطالة في المنطقة التي تعد الأعلى على مستوى العالم بمتوسط 25% وأكثر من 30% في تسعة بلدان. وقالت إنه من المتوقع أن يدخل سوق العمل على مدار الأعوام الخمسة القادمة أكثر من 27 مليون.
وأكدت أهمية أن تكون سياسة المالية العامة على مسار مستدام، وإلاّ سيصبح تصاعُد المديونية عبئاً على كاهل الشباب المثقلين بالأعباء أصلاً ولن يتاح حيز كافٍ لتمويل الإنفاق اللازم للنمو الاحتوائي.
ولفتت إلى الانخفاض الحاد في الإيرادات المحلية لدول المنطقة ويبلغ متوسطها 10% من إجمالي الناتج المحلي، قائلة إنه من المهم، العمل على تعزيز الإيرادات وبشكل احتوائي ومتوازن، لكنها أكدت أهمية التركيز بصورة أكبر في هذه المرحلة على الإنفاق، فمستويات الإنفاق في العالم العربي وبخاصة دول مجلس التعاون مرتفعة ويزيد متوسطها على 55% من إجمال الناتج المحلي في بعض الدول.
وقالت إن هناك بلداناً كثيرةً تعمل بالفعل على اتخاذ خطوات لاحتواء الإنفاق. ولكنها تعتمد في الغالب على إجراء تخفيضات شاملة أو استنسابية. والأفضل هو اتباع منهج أكثر استراتيجية يوفر الحماية للفقراء ويحافظ على الطاقة الإنتاجية في الاقتصاد.
وأكدت أهمية العمل على رفع الدعم فهو يأتي بتكلفة باهظة، بمتوسط 4.5% من إجمالي الناتج المحلي في البلدان المصدرة للنفط و 3% من إجمالي الناتج المحلي في البلدان المستوردة للنفط، رغم انخفاض أسعار النفط. كما إنه يفتقر إلى الشفافية إذ يكون ضمنياً في الغالب ولا يتم إدراجه في الموازنة. كما يتسم بدرجة عالية من عدم التكافؤ - حيث يعطي أفضلية للأثرياء الأكثر استهلاكاً للطاقة. ولعل الأسوأ من ذلك كله هو أنه يدعم الإضرار بالبيئة.

الحوكمة الرشيدة

وتناولت فاتورة أجور القطاع العام والذي يؤمن في العديد من دول المنطقة أكثر من خُمس فرص العمل ما يحمله تكاليف هائلة تؤثر على استدامة المالية العامة، والقدرة على إقامة قطاع خاص ديناميكي، وتحقيق الحوكمة الرشيدة.
وقالت إن نمط الإنفاق الحالي لا يزال يفتقر إلى الكفاءة في مختلف القطاعات، بما في ذلك الصحة والتعليم والاستثمار العام. فلم تتمكن تكاليف الأجور المرتفعة من تحسين جودة الخدمات العامة. كما أن مردود الاستثمار العام لا يرقى لمستوى التوقعات مثلما يشير العديد من «تقييمات إدارة الاستثمار العام».
ولفتت إلى التأثيرات الاجتماعية لكل ما تقدم؛ فالعمر المتوقع في البلدان العربية أقل بنحو عشر سنوات من المتوسط السائد بين أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ولا يزال الالتحاق بالتعليم دون مستوى التغطية الشاملة، وعدد كبير من الفتيات ما زال يُفرض عليهن البقاء في المنزل، كما أن أداء الطلاب في الاختبارات القياسية من بين أدنى مستويات الأداء في العالم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن معدل الفقر مرتفع نسبياً وعدم المساواة لا يزال مصدراً للقلق.
وتحدثت عن أبرز توصيات الصندوق على مستوى الإدارة الرشيدة للإنفاق العام وعلى رأسها رفع الدعم عن الطاقة، وقالت إن المنطقة حققت بداية واعدة فيما يتعلق بدعم الطاقة، لكنّ أمامها شوطاً طويلاً يتعين أن تقطعه - وخاصة عن طريق تحديد أسعار الوقود بعيداً عن الاعتبارات السياسية واستحداث آليات للتسعير التلقائي.
كما دعت لاجارد إلى تخفيف الضغط عن فاتورة أجور القطاع العام. وسيشمل هذا المجال تحسين اتساق مستويات أجور القطاع العام مع المستويات السائدة في القطاع الخاص والابتعاد عن النظام الضمني القائم على رعاية الدولة. وإذا تم ذلك بالصورة الصحيحة - ومع الحماية الاجتماعية الصحيحة - يمكن أن يساعد على إطلاق طاقة الابتكار والإبداع الكبيرة لدى القطاع الخاص.

إصلاحات فاتورة الأجور

وأكدت أهمية إجراء إصلاحات فاتورة الأجور بحرص وبمنظور استراتيجي. فينبغي تنفيذها ضمن جدول أعمال أوسع نطاقاً لسياسة الإنفاق، وربطها بأهداف اجتماعية يمكن تحقيقها، بما في ذلك أهداف التنمية المستدامة. كذلك ينبغي أن تكون منصفة إلى أقصى درجة ممكنة، وأن تتضمن تحليلات مبكرة للأثر الاجتماعي. وينبغي أيضاً إتمام هذه الإصلاحات في السياق الأوسع لجهود تنويع الاقتصاد، والحد من الفساد، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وجعل بيئة الأعمال أكثر تيسيراً لخلق الوظائف الكريمة والمجزية.
وقالت إن المجال متاح أيضاً لتحسين كفاءة الإنفاق الذي يمكن أن يحقق مكاسب كبيرة. ففي مجال الصحة، مثلاً، يؤدي عدم كفاءة الإنفاق على مستوى العالم إلى خصم ما يزيد على العامين من عدد سنوات الحياة الصحية المتوقعة - علماً بأن تخفيض العامين بنسبة 10% يحقق الفائدة نفسها، التي تحققها زيادة الإنفاق بنسبة 0.7% من إجمالي الناتج المحلي. وأمام هذه المنطقة فرصة كبيرة لتحسين الأداء في هذا المجال، وخاصة في بلدان مثل السعودية ومصر.
وأكدت أن تعزيز ممارسات إدارة الاستثمار العام يمكن أن يؤدي إلى سد فجوة الكفاءة بنسبة تصل إلى الثلثين. وقال إن دول المجلس يمكن أن توفر أكثر من 2% من إجمالي الناتج المحلي سنوياً إذا انخفضت أوجه عدم الكفاءة في الاستثمار العام لتصل إلى مستويات البلدان الأفضل أداءً في هذا المجال.
وقالت إن هناك العديد من الزوايا الواعدة فيما يتعلق بتحسين كفاءة الإنفاق لدول المنطقة منها الرقمنة التي يمكن أن تساعد البلدان على تقديم الخدمات العامة بفعالية أكبر وتكلفة أقل. ومنها الأنظمة المتقدمة لإثبات الهوية والاستيثاق من البيانات، مثل التكنولوجيا البيومترية.

لاجارد تخطب ود الشارع العربي

في كلمات تخطب ود دول المنطقة التي لديها الكثير من التحفظات على سياسات صندوق النقد الدولي أكدت لا جارد تفاؤلها حيال قدرة دول المنطقة على تجاوز التحديات وقالت: «المنطقة العربية قد تكون في مواجهة تحديات كبيرة، لكن إمكانات شعوبها وتصميم قادتها الاقتصاديين كبيران أيضاً. وكما يقول المثل العربي: من جد وجد ومن زرع حصد».
وأضافت قائلة: إن الأمم العربية قادت العالم يوماً ما في طلب المعرفة والابتكار العلمي - بل في بلورة الفكرة التي تقول إن العلامات المميزة للحضارة هي الاحتواء والعدالة واللياقة. وأنها تثق تماماً بأن هذه الأمور ليست تركة ورثتها دول المنطقة فحسب، بل هي مصيرها الأكيد - حتى يتسنى ترجمة طموحات شباب المنطقة المشروعة إلى واقع مشروع في اقتصاد يعمل لصالح الجميع.
وقالت: «بينما تسلكون طريق الإصلاح، وهو طريق قد لا يكون في كل الأوقات ممهداً وخالياً من العقبات على النحو الذي نتمناه جميعاً، أتعهد لكم بأن الصندوق سيظل صديقاً وشريكاً دائماً لكم. فسنكون معكم صحبة الطريق وشركاء الرحلة».

 

الابتكار في الإنفاق العام يساعد على تقليل الهدر
عبيد الطاير: كفاءة الإنفاق الحكومي أساس الاستدامة المالية

قال عبيد حميد الطاير وزير الدولة للشؤون المالية، إنه وعلى الرغم من أهمية تنويع الإيرادات الحكومية لتحقيق الاستدامة المالية، إلاّ أن ذلك لا يعني تحميل المستهلكين والشركات مزيداً من الضرائب، مما قد يؤثر سلباً على المستوى المعيشي أو التنافسية. بل إن الحل، يكمن في زيادة كفاءة الإنفاق الحكومي والتحصيل الضريبي.
أكد عبيد الطاير
خلال كلمته ضمن الجلسة الافتتاحية للمنتدى، أن أبرز التحديات التي تواجهها وزارات المالية والمؤسسات المالية العربية اليوم، يتمثل في كيفية الوفاء بمتطلبات القيام بدورها، كممكن للنمو الاقتصادي والشمول المالي، بما يتلاءم والميزانيات المتوفرة، والاقتراض ضمن الحدود المعقولة التي لا تتجاوز معايير السلامة المالية، بحيث لا يكون الاقتراض على حساب المستوى المعيشي للأجيال القادمة.
وقال إن الأزمة المالية العالمية مر عليها 10 سنوات اليوم، ويمكن القول إنها انتهت لكن من المهم أن نتوقف ملياً للنظر في الدروس المستفادة، وتقييم الأوضاع على المستويات المالية والاقتصادية، ومدى جاهزية كل دولة للتعامل مع أي احتمالات أو تقلبات كبيرة في الأسواق المالية العالمية، والعمل على تعزيز أوضاع المالية العامة والاستقرار المالي.
وركز على أهمية تعزيز رأس المال البشري في المرحلة القادمة بما يواكب التطورات المتسارعة على الساحة العالمية ويخدم أهداف النمو المستدام، وقال إن دور الدولة كأكبر رب عمل، انتهى مع انتهاء نموذج دولة الرفاه. لذا؛ فإن قضية الساعة، هي التركيز على خلق فرص العمل، وبناء المهارات الجديدة المطلوبة في الاقتصاد المعرفي، حيث يتوقع أن تلغي التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عشرات الملايين من الوظائف وتنشئ عشرات الملايين غيرها، ولن يكون بالإمكان الاستفادة من هذه الفرص، إلاّ إذا تم تطوير رأس المال البشري المحلي، بما يتناسب ومتطلبات سوق العمل، وبما يمكن الشباب، الذين يشكلون المستقبل والقوى العاملة ورواد الأعمال والمستهلكين، من إيجاد موطئ قدم لهم في الاقتصاد الجديد. وأكد أهمية استشراف المستقبل بمنظور يحقق قفزات، لاستحداث الوظائف واستقطاب التكنولوجيا والاستثمارات النوعية وتوطين الابتكار، مع بذل عناية خاصة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتمهيد الطريق أمامها للحصول على الائتمان، واختراق الأسواق الدولية، سيما أن بعض الاقتصادات الناشئة، أثبتت أن الميزات التنافسية في مجال السلع والخدمات كثيفة المعرفة، ليست حكراً على الدول المتقدمة. ولفت إلى أهمية مواكبة القطاع العام للتطورات، ففي عالم القفزات التقنية المتلاحقة والمتسارعة، لا ينبغي لأحد أن يتخلف عن مواكبة ركب التقدم، وخصوصاً قطاع الحكومة الذي ترتبط حياة الناس بمستوى خدماته. لذا فإن من الأهمية بمكان، توظيف الثورة الرقمية لتعزيز المالية العامة، حيث إن توفر المعلومات وشموليتها، يُمكِّن صناع السياسات من تحسين الهياكل الضريبية بما يحقق الكفاءة والعدالة، كما أن توفر المعلومات اليومية عن العمليات المالية، يسهم في تحسين إدارة الاقتصاد الكلي.
وقال إن الابتكار في مجال الإنفاق العام، سيساعد على تقليل الهدر وزيادة كفاءة تنفيذ الميزانية. ويبقى التحدي في كيفية استغلال الحكومات للثورة الرقمية لمواجهة إشكاليات التنمية بطرق مبتكرة، وفي أسلوب التعاطي مع التشبث بأساليب العمل التقليدية بدلاً من تبني التقنيات الحديثة. ولفت إلى أن الهياكل السكانية والمكونات العمرية، تفرض ضغوطاً على المالية العامة، إذ إن التعاطي مع معضلة الشيخوخة بما تستلزمه من رعاية صحية مطولة ومعاشات تقاعدية وتأمينات اجتماعية، تتطلب من الدول العربية إدارة حكيمة للمالية العامة بما يضمن لها الاستدامة.

 


يونس الخوري: أهمية كبرى للاقتصاد الرقمي بالدولة

استعرض يونس حاجي الخوري، وكيل وزارة المالية، إنجارات الدولة في مجال الاقتصاد الرقمي، خلال مداخلة وزارة المالية في الجلسة الرابعة تحت عنوان «الثورة الرقمية في المالية العامة» إنجازات الدولة في الاقتصاد الرقمي، مشدداً على ضرورة توفير الإمكانيات الأساسية لإنشاء اقتصاد رقمي، واستصدار التشريعات اللازمة لكسب ثقة المتعاملين وحماية الملكية الفكرية، والتي تعتبر من أهم مقومات الصناعة المعلوماتية.
وقال: «تضم حكومة الإمارات الحالية وزيراً معنياً بملف واستراتيجية الذكاء الاصطناعي، بهدف استباق التحديات التي يفرضها انتشار تقنيات الاقتصاد الرقمي بشكل متسارع، وتطوير الأطر التشريعية والتنظيمية اللازمة، كما تشارك الدولة في اجتماعات مجموعة مستقبل الاقتصاد الرقمي والمجتمع التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) بصفته عضواً في المجموعة بهدف تمكين المجتمعات من أدوات الثورة الصناعية الرابعة وتعزيز الوعي المجتمعي العالمي في مجالات الاقتصاد الرقمي».
وأضاف: «يحظى تحقيق مبادئ الاقتصاد الرقمي في منظومة الاقتصاد الوطني في الإمارات أهمية كبرى، وذلك لانسجامه مع توجهات الدولة في تعزيز تكنولوجيا المعلومات والاقتصاد المعرفي، ومساهمته في خلق فرص حقيقية للاستثمار الأجنبي المباشر. وتتبنى دولة الإمارات التكنولوجيا المتقدمة عبر تهيئة البيئة الحاضنة، ووضع التشريعات الملائمة، وبحث آليات تنظيم هذا القطاع الحيوي، لتحقيق أفضل العوائد من تقنيات الاقتصاد الرقمي، وضمان استدامة المنظومة الرقمية».

 


أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top