تحقيق: إيهاب عطا

تعيش سلاسل المتاجر الكبيرة العاملة في مجال البيع بالتجزئة ذات الشهرة العالمية داخل الدولة، وخارجها، التنافس الشديد الذي يصل إلى مرحلة حرق الأسعار في أحيان كثيرة، كيف لا، وقطاع التجزئة في المنطقة يسجل ثاني أسرع معدل نمو في قيمة مبيعات التجزئة، وفي دولة الإمارات يحقق نمواً سنوياً يقدر ب5% ليصل إلى نحو 200 مليار درهم خلال العام 2017.
والمفترض أن يكون المستهلك هو المستفيد الأكبر من تلك المنافسة، إن لم تصاحبها حالة موازية من التضليل والخداع، في محاولة لجذب الزبائن وتقديم إغراءات متوالية من خلال خصومات وعروض تجعل الزبون حائراً في اختيار أصدق المحال والسلاسل التي تقدم عروضاً حقيقية مع الاحتفاظ بالقدر نفسه من الجودة، ما جعلنا نطرح أسئلة ملحّة تحتاج إلى إجابات شافية في التحقيق الآتي، حول ما إذا كانت تلك التخفيضات والعروض حقيقية أم لا؟ وما آلية تنفيذها على أرض الواقع؟ وهل تتسبب بخسائر لتلك المتاجر؟ وكيف تعوض فرق الأسعار بما يحول دون خسارتها؟
«الخليج» تقصّت حقيقة العروض الترويجية التي يشكك المستهلك في جديتها، ويصفها في أغلب الأحوال بأنها «وهمية»، وحاولت الإجابة عن تلك الأسئلة عبر محطات عدة كان أولها الاستماع إلى مخاوف وشكوك بعض المستهلكين المواطنين والمقيمين، الذين طرحوا عدداً من الأسئلة من خلال التعبير عن رأيهم في سياسات التسويق التي تتبعها بعض سلاسل المتاجر.
في البداية، قالت شمسة المري إنها لا تثق كثيرا بالعروض والتخفيضات التي تكون على السلع الغذائية، لأنها في معظم الأحيان تكون على سلع منتهية، أو قريبة انتهاء الصلاحية، ولا تقوم إدارة المتجر بتوضيح ذلك، إلا أن التنزيلات في مجملها مفيدة على أصناف وسلع ليس فيها تحديد لصلاحيتها، أو أن تكون صلاحيتها تدوم فترة طويلة مثل مساحيق الغسيل، والأجهزة الكهربائية، وغيرها.
وفي السياق نفسه أفادت إيمان الزرعوني، بأن العروض الترويجية تستهويها وتفضل متابعتها، وتغريها الأسعار المخفضة لاتخاذ قرار الشراء، خاصة إذا كانت السلعة غير ملحة في الوقت الحالي، لكن الخصم مغر، في الوقت الذي تحدث خسارة عندما أشتري شيئاً بسبب الخصم على أن استخدمه عبر الأيام، لكن أفاجأ بأن تاريخ الصلاحية قارب على الانتهاء، ما يعني أن العروض سلاح ذو حدين، فيها منافع وخسائر ما يستوجب اليقظة عند التعامل معها أثناء عملية التسوق.
وأشار خالد الشحي إلى أن الميزانية التي يضعها لعملية التسوق هي التي تحدد ماذا سيشتري، مهما كانت الإغراءات التي تقدمها المتاجر من تخفيضات، أو خصومات، «لكن لا يمنع أن هناك مرات يكون شراء شيء معين مؤجلاً، وعندما أجد عرضاً قوياً عليه أبادر إلى شرائه»، شاكياً من تعرضه ذات مرة لعرض وهمي ولم يكتشفه في وقته، وبالتالي لم يقم بأي إجراء ضد المتجر.

وعي المستهلك

أوضح «محمد اليافعي» أن التعامل مع العروض الترويجية يكون بحسب وعي وخلفية المستهلك التجارية، وخبرته في مسائل البيع والشراء، فمن لديه خبرة يستطيع أن يفرق بين العرض الحقيقي والوهمي، وقد اكتشف بنفسه اكثر من مرة عروضاً وهمية كأن يضع المتجر «ستيكر» عليه سعر يدعي انه بعد الخصم، بينما هو السعر القديم الأصلي نفسه، وبمجرد أن تنزع الستيكر الجديد تكتشف القديم والخدعة التي تعرضت لها، وأنه تعرض للإغراء في إحدى المرات عندما اشترى سلعة لم يكن في حاجة إليها لمجرد أن كل أصدقائه اشتروها بسبب الخصم الكبير عليها.
وقالت هدى محمد، مصرية، إن العروض الترويجية في أي بلد فرصة كبيرة للحصول على منتجات مختلفة بأسعار مغرية في المتاجر، لكن بكل تأكيد هنا شيء غير طبيعي لأنها من المؤكد لن تبيع بالخسارة، فإما الجودة ليست عالية، وإما الصلاحية اقتربت من الانتهاء، لكنها ترضى بقدر مناسب من الجودة مع توفير تاريخ الصلاحية على المنتج لضمان الاستفادة منه، وعلى أية حال المستهلك هو المستفيد الأكبر في حال كانت صادقة، وأما إذا كانت غير صادقة فلن يخسر الكثير لأنه سيشتري في كل الأحوال.
واشتكى «عبد الوهاب. ع» سائق آسيوي مقيم، من تزييف وتضليل بعض سلاسل المتاجر الشهيرة لأسعار المنتجات، فهي تعرض سعر المنتج بطريقة تختلف على المستهلك، وتتحصل بها على مبالغ كبيرة، كأن يكون السعر المحصل من الزبون على سبيل المثال 100 درهم بينما المكتوب على السلعة مبلغ 99,90 درهم، فهذه المبالغ الضئيلة في النهاية تتجمع وتكون مبالغ كبيرة على مدار العام، وأنا كمستهلك من حقي أن أحصل على المبلغ المتبقي لكن من سيطالب بمبلغ 10 فلوس، وكيف يتحصل عليه، وليس هناك عملة محلية بهذا المبلغ؟

لا جدوى من الشكوى

وكانت رحمة حبيب، تونسية، تقدمت بشكوى ضد أحد المتاجر التي تبيع أجهزة كهربائية قائلة إنها صادفت عرضاً على جهاز «خلاط» من أجهزة المطبخ بنحو 30 % من السعر الأصلي وكان ثمنه قبل العرض الترويجي 150 درهماً بينما اشترته بنحو 100 درهم، لكنها فوجئت عندما ذهبت إلى البيت لتجربته وتشغيله بأن هناك إحدى القطع الرئيسية مفقودة، واضطرت للعودة إلى المتجر لتغيير الجهاز وهو ما تم بالفعل ولم تجد صعوبة في هذا لكن الأمر كلفها تقريباً 50 درهما أجرة التاكسي، ما يعني أن قلة الجودة في المنتج ضاعت وفوتت عليها الاستفادة من العرض، وقدمت صورة من الفاتورة والجهاز وقت تبديله في المتجر كدليل إدانة يؤكد صدق الواقعة، إلا أنها لم تتقدم بشكوى رسمية إلى الجهات الرسمية المختصة لكون المبلغ لا يستحق عناء المتابعة والانتظار لقرار ضد المتجر وربما لا يتخذ.
وقال محمد زعزع، مقيم عربي، إن العروض الترويجية في كثير من المتاجر تكون خادعة بحيث يتم تنزيل على صنف واحد من السلع، ما يجعلك تثق بالسعر والجودة وتشتريه لكن الحاصل أنها ترفع السعر مسبقاً إذا ما قارنته بأسعار السلع نفسها في محال أخرى أقل شهرة، بمعنى أن السلعة بعد التخفيض سعرها هو السعر الأصلي نفسه للسلعة نفسها في متجر آخر من دون عرض ترويجي، لكن تضطر تلك المتاجر لتنزيل الأسعار عبر تلك العروض بسبب المنافسة الشرسة عندما يتم افتتاح فرع جديد لسلسلة متاجر منافسة بالقرب من أحد فروعها.

شكاوى متكررة

يتضح من السطور السابقة، أن تلك الآراء تتلاقى وتتقاطع في مجملها مع آراء أخرى من سكان بعض البلاد العربية، مثل مصر والأردن، التي يمكن رصدها بسهولة عبر «السوشيال ميديا»، وتتلخص في حالة من الشك في حقيقة تلك العروض وأوقات التنزيلات والخصومات، والتي عادة ما تشتد في حالة افتتاح فرع جديد لإحدى السلاسل المنافسة بالقرب من فرع آخر أقدم في المنطقة نفسها لسلسلة متاجر أخرى، وكان علينا أن نأخذ تلك الشكوك على محمل الجد وتعريضها ووضعها تحت مجهر الاختبار للحكم عن قرب وموضوعية على جدية تلك العروض.
قررنا أن نتأكد من كلام أحد المصادر، اشتكت من عدم جودة المنتج، وذهبنا إلى الفرع حيث اشترت «الخلاط» وسألنا عن المدير وقدمنا له الفاتورة، وسألناه عن تلك الواقعة فأوضح أن ذلك يحدث كثيراً ولا تتوقف عند شخص أو آخر، ويتم التعامل معها فور شكوى العميل، لأنهم مجرد محال للعرض وليست صناعة المنتج بمواصفات معينة من اختصاصهم، في الوقت الذي تلتزم شركته بعرض منتجات ذات مواصفات عالية حتى لا تتأثر سمعتها، والمهم في الموضوع هو الشفافية وخدمة ما بعد البيع، وإذا حدثت شكوى تتم معالجتها، ومن الجيد انه تم استبدال الجهاز في تلك الواقعة.

مراقبة وفحص

كانت تلك الزيارة مجرد خيط تتبعناه لمعرفة بعض التفاصيل التي فتحت شهيتنا لخوض المغامرة بأنفسنا في المرة التالية، آملين أن نعثر على مفتاح اللغز وحل لشفرة تلك القضية، فتوجهنا إلى فرع إحدى سلاسل المتاجر الشهرية والمنتشرة في مختلف إمارات الدولة، وقمنا بعملية مراقبة وفحص لعدد من الأصناف من حيث النوع والجودة والصلاحية، وكذلك الأسعار، فأحياناً تكون العروض على أصناف اقتربت صلاحيتها من الانتهاء ويريد المتجر التخلص منها بسرعة قبل فسادها ولا مانع في تلك الحالة من قبول أقل هامش ربح ممكن بدلاً من خسارتها كلياً.
لاحظنا أن هذا الفرع خصص تخفيضات وعروضاً على عدد من الأصناف تصل إلى 35% متمثلة في عبوات البيض عدد 30 حبة ليصل سعرها في العرض إلى 10 دراهم، بينما سعرها خارج العرض يتراوح بين 15-18 درهماً، وكذلك حبتين من قطع الدجاج عدد 8 قطع في الكيس بسعر 14 درهماً، بينما يصل سعرها خارج العرض لنحو 22 درهماً، وصنف ثالث عبارة عن حبتين من زجاجات زيت الذرة معاً بسعر 17 درهماً في الوقت الذي تباع فيه الحبة الواحد خارج العرض لأقل الأنواع جودة في حدود 20 درهماً، ما زاد الشكوك بداخلنا حول تلك الأسعار وجعلنا نتأكد أن ثمة خطأ ما.

صدمة كبيرة

اخترنا عدداً من الأصناف من بينها أصناف عادية ليس عليها تخفيضات مع اثنين من تلك التي حيرتنا التخفيضات التي عليها، ثم توجهنا إلى «الكاشير» للحساب عليها، وكانت الصدمة الكبيرة عندما لاحظنا بمراجعة الفواتير اختلافاً كبيراً بين الأسعار التي كتبت أمام الأصناف ويقرر المستهلك اختيارها بناء على تلك الأسعار، وبين الأسعار التي يحاسب عليها فعلياً عند «الكاشير».
وجدنا أن الحساب يكون على الأسعار الأصلية قبل التخفيض، بمعنى أن عرض الدجاج الحساب الفعلي عليه نحو 22 درهما، وكذلك تم الحساب على عبوتي الزيت بسعر 26 درهماً بدلا من 17 درهما المكتوب على الصنف لجذب الانتباه، وهذا معناه أن عملية غش تجاري تحدث ونحتاج لتفسير بمواجهة المسؤولين داخل الفرع.

المواجهة

سألنا على الفور عن المدير المسؤول وتوجهنا إليه وتبادلنا النقاش عن فرق الأسعار بين المكتوب على الأصناف وبين ما تم الحساب عليه، فارتبك واعتذر عن ذلك متعللاً بأن هذا ربما لخطأ غير مقصود من الموظفين، وأنه محتمل أن يكون هناك عرض لفترة محدودة وانتهى ونسي العمال نزع السعر القديم، ووضع السعر الجديد، أو أن العرض سار لكن أحداً لم يحدث «النظام» عند الكاشير، لكن تلك الحجج لم تقنعنا ووجهنا سؤالاً للمدير عن عدد الزبائن الذين تعرضوا لتلك الخدعة من دون أن ينتبهوا لفارق الأسعار، أم هناك شكاوى وصلتهم قبل ذلك بخصوص تلك العملية؟
جاءت ردود المسؤول عن الفرع حائرة، وحاول إنهاء الموقف بأن قام بنزع الأسعار المكتوبة على الأصناف بنفسه، ونادى على بعض العمال والمشرفين وسألهم عن كيفية حدوث ذلك، فلم يستطع أحد منهم الرد عليه، فطلب منا العفو والسماح، وأن نقبل الترضية والتعويض عن فارق الأسعار، طالباً عدم تصعيد الموضوع أكبر من ذلك، استجبنا لطلبه وأنهينا الموقف لكن بعد أن صورنا الفاتورة وما فيها من أسعار وكذلك تصويرهم متلبسين بالأسعار المكتوبة على تلك الأصناف، واتجهنا للخطوة التالية في التحقيق.
وتفادياً لإمكانية أن تكون تلك الحادثة غير مقصودة، وغير مدبرة، والخطأ فيها شخصي، كما أكد المسؤول، اتجهنا إلى فرع آخر لتلك المتاجر في منطقة قريبة للتأكد من شكوكنا، فكانت المفاجأة أن الخطأ يتكرر بالطريقة نفسها تقريباً، وصممنا على الحديث إلى المسؤول عن الفرع وتلقينا الردود نفسها تقريباً، وكانت هناك ردود جاهزة في حال ما اشتكى أحد الزبائن وكشف الخدعة، رغم أن المسؤول في الفرع الأول كان عربياً بينما في هذه المرة كان آسيوياً، ويبدو أنه يتم تلقينهم الكلام بدقة شديدة.

تسجيل شكوى

كان لابد أن نمارس حقنا كـ«مستهلك» عادي صادفته مشكلة، أو ضبط حالة غش تجاري، وتقدمنا على الفور بشكوى إلى إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، وأخذوا بياناتنا، وبيانات الفرع، ونوع الشكوى، والأصناف، والأسعار، وكل التفاصيل التي حدثت، ولم تمر غير لحظات حتى تلقينا اتصالاً من رقم آخر يشير إلى فرع الإدارة في الإمارة التابع لها المتجر، وأعادوا فهم الشكوى وطلبوا منا التعاون معهم في حال طلبوا الاطلاع على صورة الفاتورة التي تثبت عملية الغش التجاري، فوافقنا لأن همنا هو التحقيق في الأمر وأن ينال المخطئ عقابه، وكذلك رصد الآلية التي تعمل بها إدارة حماية المستهلك في الوزارة، ولم تمض لحظات أخرى حتى وصلتنا رسالة على الهاتف المتحرك برقم الشكوى وإفادة بأنه تم تحويلها للقسم المختص وفحصها والتحقيق فيها.
وخلال حديثنا مع أحد الموظفين في إدارة حماية المستهلك في الوزارة علمنا أن تلك المتاجر التي حررنا ضدها الشكوى، رغم شهرتها وضخامة نشاطها في السوق المحلي، بل والعالمي، بالفعل مسجل ضدها شكاوى سابقة ولم تلتزم، وهو ما سيكبدها «غرامة مالية كبيرة هذه المرة في حال ثبوت تهمة التضليل والغش»، هكذا أخبرنا الموظف.

تجاهل ولا مبالاة

لم يكن أمامنا غير التوجه إلى إدارة تلك المتاجر وعرض القضية عليها لتلقي رد قاطع منها، أو إفادة بالإجراء المتبع في تلك الحالات أو حتى تفسير لما حدث، لكن تم التسويف معنا، وتحويلنا إلى أحد المسؤولين المخولين بالنظر في مثل تلك الأمور، على أن يكون التواصل بيننا بشكل رسمي من خلال البريد الإلكتروني، وبالفعل تواصلنا معه وطلبنا رداً على الشكوى لكن لم تصلنا أية إجابة حتى لحظة كتابة هذه السطور، ما يعني أن هناك عملية تجاهل لحقوق المستهلك، ولا توجد لديهم شفافية في سياسة التسويق، وكذلك تتوفر لديهم نية الإصرار على تكرار الأخطاء بحسب ما بين لنا موظف إدارة حماية المستهلك، بأن ضدهم شكاوى سابقة لم يتجنبوها، ولم يعدلوا من سياستهم التسويقية، وكذلك لم تحرك إدارة حماية المستهلك التي تقدمنا بالشكوى إليها أي ساكن، ولم نتلق أي اتصال منها يفيد ببدء التحقيق في الشكوى، أو اتخاذ أي إجراء، أو طلب السماع إلى شهادتنا في التحقيق المزمع والمنتظر القيام به للتأكد منها.

رد مسؤول

مرت أيام وأسابيع، ولم يصلنا أي اتصال، أو ردّ، أو تعقيب من حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، ما أوجب علينا التوجه إلى المسؤول الرئيسي عنها، فتواصلنا مع الدكتور هاشم النعيمي مدير إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، وأحطناه علماً بالشكوى، فسألنا عن الإمارة التي حدثت فيها الواقعة، ثم وعدنا بأن مدير الإدارة في تلك الإمارة سوف يتصل بنا في اليوم التالي ليخبرنا بما تم في الشكوى، وإلى أين وصلت، ومرت 24 ساعة ولم يتصل بنا أحد فعاودنا التواصل مع مدير الإدارة الذي رد علينا بأنه كلف مدير المكتب في تلك الإمارة بمتابعة الموضوع مع «الدائرة الاقتصادية».
وفي ظل هذا الغموض تجاه الشكوى، لم نجد بداً من التوجه إلى دائرة التنمية الاقتصادية في دبي، لنفهم آلية العمل في مثل تلك المسائل وإجراءات التحقيق في الشكاوى، وكيفية مواجهة حالات الغش التجاري المتمثلة في العروض الترويجية الوهمية، فتواصلنا مع مدير إدارة حماية المستهلك احمد العوضي، فأوضح أن «اقتصادية دبي» تقوم باستقبال الشكاوى والاستفسارات التي ترد عن طريق مركز الاتصال، أو قنوات التواصل الاجتماعي «تويتر»، أو «انستجرام» أو«فيسبوك» أو أثناء التفتيش الروتيني الذي تقوم به من خلال عمل فرق المفتشين.
وأضاف أن «اقتصادية دبي» تستند في حماية المستهلك إلي قانون حماية المستهلك رقم 24 لسنه 2006 ولائحته التنفيذية والذي يتعامل مع معالجة العيوب الصناعية الخفية في المنتجات وعيوب الخدمة من حيث الإصلاح أو الاستبدال في حال تعذر الإصلاح، وتوجد إدارة كاملة لمتابعة أمور العروض الترويجية ومتابعتها والتأكد من مصداقية العروض الترويجية وفي حال وجدت أي شكوى يجب عدم التردد في الإبلاغ عنها.

منفعة متبادلة

أردنا أن نفهم من الناحية العملية كيف يتم توجيه سياسة التسويق في هذا النوع من سلاسل المتاجر الكبرى، فتوجهنا إلى أحد الخبراء وهو الدكتور وائل النحاس، المستشار الاقتصادي، وخبير أسواق المال المصري، الذي قال إنه يجب التفرقة بين شركات المتاجر التي تقوم بمجرد عرض السلع الاستهلاكية، وبين الشركات المنتجة لتحديد من المسؤول عن تلك العروض ومن يضع استراتيجيتها، ويملك قرارها، والحاصل أن الشركات المنتجة تستأجر مكاناً أو مساحة لعرض منتجاتها داخل تلك السلاسل لمدة معينة وهي المسؤولة عن مواصفات المنتج وجودته وكذلك تحدد السعر الأصلي له.
وبين أنه في حال عدم نفاد الكمية المعروضة تقوم شركة العرض التي تملك المتاجر بعمل تخفيضات وتنزيلات تتفاوت في نسبتها بحسب سعر المنتج الأصلي، والكمية المتبقية، لتحقيق أهداف منها عدم خسارة السلعة بشكل كامل إذا انتهى تاريخ صلاحيتها، أو اقترب، أو في حال رغبتها في إخلاء مكان لمنتج آخر يحل محله سواء للشركة نفسها أو شركة أخرى، وكذلك تحقيق إيرادات تحقق رسوم الإيجار المساحة، ثم المبلغ الزائد يعود للشركة المنتجة كمبيعات أو أرباح، واتخاذ القرار بالتنزيلات يكون بنسبة 20% بالتنسيق مع الشركة المنتجة وينص عليه العقد و80% من قبل إدارة شركات العرض، وقد تكون العروض موسمية بحسب تتابع فصول السنة، والطقس، مثل العروض على الملابس، أو بحسب ارتفاع أو انخفاض الأسعار عالمياً، كأسعار المواد الخام للسلع الأساسية مثل الزيت والسكر والأرز، وغيرها.

تنزيلات أو تسعير أقل

ونوه بأن هناك فرقاً واضحاً لابد أن ينتبه إليه المستهلك بين «العروض والتنزيلات» وبين «التسعير الأقل»، بمعنى أنه يحدث أن إحدى تلك السلاسل يكون لها مبالغ مستحقة متأخرة عند إحدى الشركات المنتجة فيتم الاتفاق معها على أن يخصص كمية من منتج معين أو خط إنتاج يوضع عليه اسم تلك السلسلة، لكن بمواصفات معينة وجودة معينة لأن ذلك مرتبط بسمعة الشركة ومكانتها عالمياً، وقيمة أسهمها في البورصة، وتخفيض الأسعار في هذه الحالة لا يعتبر تخفيضاً لأنه لن يكون لفترة محددة لكنه سيستمر طول العام، أو حتى نفادها.
ونفى وجود خدعة في تلك العروض بأن تقوم السلسلة برفع سعر منتج مسبقاً ثم تدعي أنها أجرت تخفيضاً على السلعة، بينما السعر بعد التخفيض هو السعر الأصلي، لأن الحاصل أن هناك تخفيضاً حقيقياً تم لكن بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل العملات في بعض الأحيان وتكلفة الإنتاج والنقل، يتم رفع أسعار بعض الأصناف ويصبح السعر بعد التخفيض هو نفس السعر الأصلي القديم، بينما سيفاجأ المستهلك بعد نفاد الكمية التي عليها العرض بالأسعار الجديدة.

لغة الأرقام

بالتوازي مع استكمال البحث ومتابعة الشكوى، قطعنا حبال الصمت والتجاهل من قبل جهات حماية المستهلك بالبحث عن معلومات تفيدنا في تقدير الفائدة والعائد الاقتصادي من تلك العروض، فوجدنا أن ضخامة قطاع البيع بالتجزئة والذي تتخصص فيه تلك السلاسل يُسيل لعاب أية شركة للاستثمار فيه بأرقام فلكية، وتضع لها استراتيجيات تسويق متنوعة تأتي «العروض الترويجية» كأحد أهم روافدها، وبلغة الأرقام فإن قطاع التجزئة سُجل كثاني أسرع معدل نمو في مبيعات التجزئة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا بنسبة 3.9% في عام 2016، وعلى المستوى الخليجي حقق نفس القطاع على سبيل المثال وليس الحصر في 2015 نحو 240,3 مليار دولار، كما سجلت دولة الإمارات مركزاً متقدماً على المستوى الدولي، فجاء ترتيبها السابع عالمياً في الاستثمارات في مجال تجارة التجزئة وفق مؤشر «تطور تجارة التجزئة العالمية في 2015»، ويحقق نمواً تصل قيمته إلى 56.6 مليار دولار بنهاية 2016، ليسهم وحده بنحو 11% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للدولة، كما قدرت تقارير عالمية نمو قطاع تجارة التجزئة في الإمارات بمعدل سنوي مركب قدره 4.9%، ليصل إلى 71 مليار دولار أي ما يوازي (260.7 مليار درهم) بحلول العام 2021.

سياسة متبعة

أشار أحد الخبراء المختصين في التسويق، الأردني محمد كشكش، وقد عرضنا عليه القضية، إلى أن التنزيلات والعروض الترويجية أصبحت سياسة مهمة جداً تتبعها كبرى الشركات التي تملك سلاسل متاجر، أو حتى مواقع التسوق الكبرى وقد أصبح هناك ما يعرف بال«BACK FRIDAY» وما يقبلها في المنطقة العربية «WHITE FRIDAY» والتي تصل أحياناً إلى 90 %، وتكون بأهداف مختلفة ما بين التخلص من السلع الغذائية التي اقتربت صلاحيتها من النفاد، أو اقتراب فصل وتريد إخلاء مكان لمنتجات كالملابس لموسم جديد.
وشكك في حقيقة تلك العروض مؤكداً شكاوى عدد من المستهلكين بأنها وهمية، حيث تضع أسعاراً هي في الحقيقة الأسعار الأصلية، متسائلاً حول الإجراءات التي تتخذها الحكومات المختلفة في المنطقة العربية وجدواها في مراقبة تلك السلاسل، في الوقت الذي ظل يراقب أحد فروع المتاجر وهو يعرض منتجاته بخصم يصل إلى 90% على مدار 10 سنوات، فهل من المعقول أن يبيع ليخسر، أم انه يبيع بالسعر الأصلي؟
وأوضح أن أضراراً مادية قد تلحق بالمستهلك نتيجة تلك العروض، حيث أنه قد يضطر لأن يشتري سلعة ليس في حاجة ماسة لها متخيلاً أن السعر المعروضة به قد لا يتكرر ويجب ألا يفوّته.

الجودة والرداءة

أوضح «محمد سليم» خبير جودة في مجال تغذية، أن مثل تلك العروض قد تكون في بعض الأحيان لاقتراب انتهاء صلاحية المنتج وتلجأ لتخفيض السعر لتبيعه بسعر الإنتاج أو القبول بهامش ربح قليل قبل أن تخسر المنتج كلياً، ولنا أن نعلم أن هناك فترة كافية لاستخدام كثير من المنتجات بعد التاريخ المدون على العبوة قد تصل إلى ستة أشهر، بينما يجب الالتزام بالتاريخ في بعض الأنواع، مثل الخضروات والألبان المحفوظة والتي تفسد بعد فترة حفظ محددة.
ونبه إلى أنه ليست كل العروض تكون على سلع رديئة، لكن قد تحتاج بعض الأصناف والماركات إلى تنشيط في عملية التسويق، لأنها قد تكون غير معروفة وتنافسها أصناف أخرى أكثر شهرة وأسعارها في المتناول.

واقعة ونسبة

كشف الدكتور وائل النحاس، المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال المصري، أنه تعرض بشكل شخصي لواقعة في أحد فروع تلك السلاسل في القاهرة، واتضح بعد التحقيق فيها أنه خطأ فردي في الإدارة، وقدمت إدارة الشركة اعتذارا له بعد أن قام بنشر الواقعة على «السوشيال ميديا»، وأن مثل ذاك الخطأ مقبول بحسب النظريات الاقتصادية والواقع العملي عالميا، ويندرج تحت نسبة الانحراف المعياري في الإدارة التي تقدر بحوالي 2%، وأنه من الصعب حدوث خداع أو تضليل في تلك العروض، لوجود رقابة دولية صارمة على سلاسل تلك الشركات، لأنه بناء على التزامها بالمعايير الدولية وسياسة التسويق المعترف بها، تتحدد مكانة وقيمة وتصنيف الشركة وأسهمها في البورصات وسوق المال العالمي.

جريمة الغش التجاري

تحدث عبد العزيز الزعابي المحامي عن الموقف القانوني للمستهلك في حالات الغش التجاري وكذلك المخاطر التي تتعرض لها الشركة مالكة المتاجر، فبيّن لنا أن خداع أحد المتعاملين بأية وسيلة كانت بتبديل أو بتغيير ماهية السلع أو مقدارها أو جنسها أو سعرها أو صفاتها الجوهرية أو منشئها أو مصدرها أو صلاحيتها أو أي أمر آخر، متعلق بها أو تقديم بيانات تجارية غير صحيحة، أو مضللة عن المنتجات المروجة، ويشمل ذلك التدليس والتقليد وغش الخدمة بعدم اتفاقها مع القوانين النافذة في الدولة أو انطوائها على بيانات كاذبة أو مضللة، يدخل الشركة أو المتجر تحت طائلة القانون.
وكشف عن أن جريمة الغش التجاري تنطبق عليها المادة 12 من قانون العقوبات التي تنص على أن «يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين وبالغرامة التي لا تقل عن خمسين ألف درهم ولا تزيد على مائتين وخمسين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من ارتكب جريمة الغش التجاري»، وبالتالي ووفقاً لحكم القانون السابق يُعد البائع مرتكباً لجريمة الغش.
أما عن كيفية الإثبات فقال إنها تخضع لجهات رسمية من سلطتها مباشرة تحقيق في الواقعة، ويجب إبلاغ الجهات المختصة فورا بالواقعة في حال حدوثها حتى يتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاه المدير المسؤول عن ذاك المحل التجاري، ويتم إثبات الواقعة بعدة طرق منها الحضور الفوري للشرطة لإثبات حالة الواقعة والتحفظ على اللوحات الإعلانية المعروضة بالمحل التجاري أو طباعة الأسعار من الموقع الإلكتروني للمحل التجاري أو تقديم فاتورة الشراء، وما إلى ذلك وفقاً لأحكام القانون، ويحق للمجني عليه طلب التعويض بحسب نص القاعدة العامة أن للمضرور من الجريمة أن يطالب بالتعويض بعنصريه المادي والمعنوي.


أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top