محمد العريان*

الارتفاع في معدلات العائد لا يقتصر على سندات الخزانة الأمريكية بل هو جزء من ظاهرة أعم برهن عليها انتعاش سندات الحكومة الألمانية التي تخلت عن النطاق السلبي الذي علقت فيه لسنوات
يسترعي رفع أسعار الفائدة الأمريكية الذي لم يكن غير متوقع، اهتمام الكثيرين وتعتبره بعض أوساط السوق سببا وراء موجة البيع الأخيرة في الأسهم ووراء التهديد الذي قد ينهي طفرة الأسهم والسندات على حد سواء. ومثل هذه الاتهامات ربما تولد مخاوف تدفع باتجاه أزمة في سوق السكن وعرقلة تمويل الشركات وتهديد الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي.
إلا أن مسببات ارتفاع معدلات العائد على السندات توحي بأنها جزء من ظاهرة أشمل - وربما أكثر تعافياً - تتعلق بتطبيع السياسات المالية والاقتصادية. وهي ظاهرة قد تساعد الاقتصاد الأمريكي وغيره من الاقتصادات المتقدمة على الخروج من إسار سنوات من النمو الهش.
وتستند هذه الرؤية إلى أربعة معطيات. أولها أن الارتفاع في معدلات العائد لا يقتصر على سندات الخزانة الأمريكية بل هو جزء من ظاهرة أعم برهن عليها انتعاش سندات الحكومة الألمانية التي تخلت عن النطاق السلبي الذي علقت فيه لسنوات. كما ساعدت على التخلص من فكرة اتهام معدلات العائد المتقاربة على مختلف فئات السندات بأنها تخفي وراءها نذر شؤم على الاقتصاد العالمي.
ثانيا، وهو الأهم، أن هناك عوامل إيجابية وليست شريرة وراء ارتفاع معدلات العائد هذه المرة.فبدلا من أن تكون ناتجة عن أخطاء ترتكب في السياسات النقدية أو تدني توقعات مخاطر السندات السيادية، فهي تعكس هذه المرة درجة أكبر من الارتياح التي تغذيها مؤشرات النمو والتضخم على مستوى العالم. فالاقتصاد الأمريكي يشكل جزءا من ظاهرة انتعاش في الاقتصاد العالمي تغذيه سياسات مالية وتنظيمية محفزة وسط آفاق مشجعة لجهة برامج تطوير مشاريع البنى الأساسية. يضاف إلى ذلك تأكيد مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الاجتماع الأخير على استمرار «التطبيع اللطيف» للمعايير النقدية الاستثنائية، تزامن مع تحولات أسرع يشهدها السوق لقبول ما يصدر عن المجلس من توجيهات بخصوص معدلات الفائدة والتضخم.
ثالثا: رغم ارتفاع معدلات العائد على السندات فهي لا تزال دون حدها الاعتيادي أيا كان المقياس المتبع. فهي أدنى من معدلات النمو الحالي والمتوقع في معدلات أسعار الفائدة ومعدلات التضخم وما يمكن تقديره لأسعار الأصول مستقبلاً.
وأخيراً، لا يوجد ما يؤكد أن ارتفاع معدلات العائد على السندات هو بالضرورة مقدمة لفوضى أعم وأشمل في أسواق استثمارات الدخل الثابت. فقد كشفت تصريحات لمحافظ البنك المركزي الأوروبي ونظيره الياباني عن أنه بالرغم من انتعاش الاقتصاد في المنطقتين وانتعاش معدلات التضخم فإن أيا منهما ليس في عجلة من أمره لوقف برامج التحفيز المالي الداعمة لأسعار الأصول، فورا.
يضاف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار الأسهم الحاد عام 2017 ودعمها للقدرات التمويلية لمؤسسات إقراض مهمة مثل صناديق التقاعد، جعل تلك المؤسسات في وضع أفضل لجهة حماية نفسها من الأزمات.كما أن موجة البيع الأخيرة في الأسهم سوف تدفعها لتسريع مشترياتها من أوعية الدخل الثابت طويلة الأجل لكي تضمن القدرة على الوفاء بالتزامات سداد حصص مساهميها في موعد استحقاقها مستقبلا.
هذه المعطيات الأربعة تؤكد أن الظاهرة ستكون عنصرا إيجابيا لصالح الاقتصادات المتقدمة. وهذا لا يعني أنه لن تكون هناك مشاكل أو أن بعض الأسواق لن تضطر لإعادة تسعير أصولها. وتبقى هناك مخاطر تحدق بالنمو المستدام وبالاستقرار المالي.
ولا شك أن تشديد السياسة المالية سوف يرفع من تكاليف الرهن العقاري وتمويل الشركات ويعرقل نشاط قطاع لا بأس به من الاقتصاد خاصة شركات إنشاء المساكن وترميمها الأكثر حساسية لأسعار الفائدة.
ويأتي الرفع في وقت تبدو الحكومة الأمريكية في حاجة ماسة للتمويل. لكن مثل هذه العقبات تبدو ضئيلة مقابل ما يتم تحقيقه من نمو اقتصادي قوي وشامل تغذيه استثمارات الشركات القوية وتحسن دخل الأسر.
ولا شك في أن هذه الظاهرة ستقضي أيضا على مخاطر السياسات المالية غير التقليدية القائمة على التحفيز المالي وتدخل البنوك المركزية لحماية الأسواق والتي بلغت حد اعتماد معدلات فائدة سلبية، كما في منطقة اليورو، بكل ما يترتب عليها من خلل في معادلات أداء الاقتصاد.
ونظراً لمستويات التذبذب الصفرية التي سادت في الأسواق عام 2017 وصيغ التسعير التفضيلية فليس من المستغرب أن تستقطب ظاهرة ارتفاع معدلات العائد هذا الكم الهائل من الاهتمام.
وإذا كان المستثمرون الذين اعتادوا خلال العام الماضي على معدلات ربحية ميسرة ومرتفعة يرون في ما يجري منغصا لهم، فإن مؤشرات الاقتصاد وأساسياته توحي بأن احتواء مخاطر انتشار ذلك على الاقتصاد والنظام المالي سيكون سهلا ولا داعي للقلق.

*كبير الاستشاريين في شركة أليانز

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top