ويليام وايت*

استمرار السياسة النقدية الحالية يحمل معه مخاطر ارتفاع معدلات التضخم. وبما أن خبراء الاقتصاد لا يستطيعون تحديد مدى ارتفاع معدلات التضخم ولا ما إذا كانت احتمالات ارتفاعها قوية، فإن خروج الأمور عن السيطرة هو الاحتمال المرجح.
السياسة النقدية العالمية لا تزال حمائمية منذ عدة سنوات حتى أصبحت الآن معرضة للسقوط في فخ ديون من صنعها.
فالاستمرار على المسار الحالي في السياسة النقدية لا يجدي وتزداد مخاطره. ولكن أي تحول عنه غير مدروس ينطوي أيضاً على مخاطر قد تكون أشد، ما يعني أن احتمالات التعرض لأزمة أخرى تتزايد.
ويبقى الأمل معلقاً على أن تتطور استعدادات صناع القرار في السياسة النقدية فيما يتعلق بإدارة مثل هذه الأزمة في حال حدوثها، بنفس الوتيرة. وببساطة نقول لأولئك الذين يكتفون بتشبيك أصابعهم والتعلل بعدم حدوثها، إنه موقف سطحي في أحسن تقدير.
المؤكد أن استمرار السياسة النقدية الحالية يحمل معه مخاطر ارتفاع معدلات التضخم. وبما أن خبراء الاقتصاد لا يستطيعون تحديد مدى ارتفاع معدلات التضخم ولا ما إذا كانت احتمالات ارتفاعها قوية، فإن خروج الأمور عن السيطرة هو الاحتمال المرجح.
غير أن التضخم ليس الخطر الوحيد. فمن جهة سمح لعمليات الاقتراض بالارتفاع لعدة عقود، حتى بعد الوقوع في الأزمة الأخيرة. يضاف إلى ذلك أنه في حين كانت هذه الديون قبل الأزمة تمثل مشكلة للاقتصادات المتقدمة فحسب، أصبحت في مرحلة ما بعد الأزمة مشكلة عالمية. ومن جهة ثانية، فإن التساهل في تقدير حجم المخاطر يهدد الاستقرار المالي في المستقبل، وكذلك تضييق هوامش الربح للعديد من المؤسسات المالية التقليدية. وأخيراً تشجع هذه البيئة المصارف والمؤسسات المالية الأخرى على اتباع سياسات غير منضبطة في تخصيص مواردها المالية. ونظراً لعدم قدرة الأسواق على تخصيص الموارد بشكل منضبط ومحكم في ظل سياسات البنوك المركزية التي تزامنت مع تضخم حجم الديون، فقد ازدادت احتمالات العجز عن سداد تكاليف خدمة الديون بشكل لافت.
ومن سوء الحظ أن تطبيع السياسة النقدية ينطوي أيضاً على مخاطر كبيرة. صحيح أن التطبيع في ظل انتعاش الاقتصاد العالمي أفضل منه في ظل الاقتصاد المتعثر، إلا أنه في مثل هذه الحالة، من المرجح أن يؤدي ارتفاع الضغوط التضخمية إلى تشديد في السياسة النقدية يمكن أن يكون له تأثير سلبي في الاستقرار.
ومن هنا يتعين على الحكومات والمنتديات الدولية إعادة النظر في إجراءات الإفلاس. فالديون الهالكة سوف تبقى ديوناً هالكة ولن يتمكن المدينون من خدمتها.
وقد أسفرت الإصلاحات التنظيمية عن تقليص سيولة الأسواق بشكل غير مقصود. وحتى في ظل غياب ضغوط التضخمية، قد تتفاعل الأسواق المالية نفسها بطريقة غير منضبطة مع مؤشرات نمو اقتصادي أقوى. أما عوائد السندات السيادية في البلدان المتقدمة فقد بلغت مستويات متدنية تاريخياً وهي مهيأة للارتداد وقد بدأ فعلاً، وسيترك انعكاسات هامة على الأسعار المبالغ فيها للعديد من الأصول.
ما هو المطلوب من صناع القرار استعداداً لهذا المصير قبل بلوغه؟ مطلوب من الحكومات والبنوك المركزية بالتعاون مع المنظمات والهيئات الدولية ذات الصلة، أن تتفاوض على مذكرات تفاهم حول من يتحمل مسؤولية ما يحدث في الأزمات. وربما تكون «المناورات» أدوات مفيدة هنا. ومن الضروري أيضاً اتخاذ تدابير لضمان توفير مستويات كافية من السيولة لتحقيق الاستقرار في الأسواق وفي النظام المالي. فالذي جرى سابقاً مثلاً أن العديد من أحكام قانون دود-فرانك في الولايات المتحدة، الذي تم إقراره في أعقاب الأزمة المالية، مسؤولة عن عرقلة جهود مجلس الاحتياطي الفيدرالي لتوفير السيولة محلياً وعالمياً.
ولعل الأهم من كل شيء هو حاجة الحكومات والمنتديات الدولية إلى إعادة النظر في إجراءات الإفلاس بحيث تتولى الحكومات مسؤولية سن تشريعات تضمن منح القروض بطريقة منضبطة لتقليص المخاطر. ومن المؤسف أن تكون إجراءات الإفلاس في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أقل انضباطاً بالمقارنة مع مثيلاتها في كثير من البلدان. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت لتطوير القدرات القانونية على التعامل بشكل منظم مع البنوك المهددة بالإفلاس، إلا أن حجمها الكبير حال دون إغلاقها.
ومن الضروري جداً اتخاذ تدابير الوقاية من احتمال حدوث اضطراب في الأسواق في موجة الانكماش التالية منذ هذه اللحظة. ولا شك في أن التحرك المسبق للمساعدة في حل مشكلة الديون المتراكمة، كفيل بالحد من احتمال حدوث هذا الانكماش.
أما قرع أجراس الإنذار لاتخاذ الإجراءات الاحترازية فتمليه ضرورة محدودية الإجراءات السياسية في مواجهة الارتداد الوشيك في دورة الاقتصادات الكبرى، وتلك الإجراءات هي التي تدفع نحو الاضطراب الذي نتمنى أن لا يحدث. ومن هنا فإنه من الأفضل الاستعداد لما هو أسوأ بالتزامن مع تمني ما هو أفضل.

*رئيس اللجنة الاقتصادية في مجموعة التعاون الاقتصادي والتنمية

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top