ستيفن سبينللي*

تشير نتائج تقرير صدر مؤخراً عن معهد ماكينزي إلى أنه بدلاً من الوظائف التي سنفقدها بسبب انتشار الأتمتة في السنوات الـ13 المقبلة، سيتم إحداث مئات الملايين من الوظائف الجديدة لتلبية الطلب في الاقتصادات الناشئة، وخدمة شريحة السكان المسنين.
عندما أسسنا عام 1979 شركة لخدمة السيارات، كنا أنا وشركائي نرى فيها ثورة تكنولوجيا جديدة رغم أننا لم نتاجر في الهواتف الذكية، وإنما ابتكرنا طريقة جديدة لتغيير زيت محرك السيارة نسفت الطريقة التقليدية للقيام بهذه الخدمة.
وتكنولوجيا هذه الأيام تنسف تقريباً كل طريقة تقليدية في أداء المهام الوظيفية بغض النظر عن القطاع الذي نتحدث عنه. والأهم من ذلك أن البيئة ومتطلبات التعلم تبشر بمستقبل عمل يختلف اختلافاً جوهرياً عن الحاضر.
وقد عرض تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الذي أعدته شركة «بوسطن كونسالتنغ» وصدر في يناير/ كانون الثاني الماضي، لمحة عما ستكون عليه صورة بيئة العمل في السنوات المقبلة. ويخلص التقرير إلى أن ما يقرب مليون شخص أمريكي سوف يفقدون وظائفهم كلياً بحلول عام 2026، وسيتعين عليهم أن يكتسبوا مهارات جديدة لتلبية مطالب السوق وأن يجدوا عملاً بأجور مجزية.
وهذا لا شك يتطلب قدرة على التكيف في أوساط قوة العمل تفوق التصورات الحالية، كما قد يتطلب ما لا ندركه حالياً. وهذا أيضاً يفرض على الأفراد وفرق العمل والشركات أن تتغير باستمرار - أي أنها يجب أن تتحول إلى مؤسسات دائمة التعلم كي تضمن الحد المطلوب من القدرة التنافسية. من هنا فإن الكليات والجامعات ستتحمل العبء الأكبر كونها هي التي يجب أن تقود مسار إعداد الطلاب لمهن المستقبل وترقى بالمهنيين الذين سيشكلون جزءاً كبيراً من طلاب الغد.
لقد ولى عهد انتظام الطلاب في الكلية لمدة أربع سنوات، وربما الحصول على شهادة الدراسات العليا والعمل في مهنة واحدة طوال حياتهم. يجب أن يكون الطلاب اليوم على استعداد لتغيير وظائفهم بعد كل ثلاث أو ربما خمس سنوات، وتطوير وظائف خاصة بهم ورعاية حياتهم المهنية الخاصة.
هل نظام التعليم العالي مستعد لمواجهة التحديات؟ الحقيقة أنه غير جاهز حتى الآن. فالشهادات التي تمنحها الجامعات لا تزال تشكل مستنداً يوثق الكم المعرفي النظري المطلوب لاجتياز الاختبارات التقليدية، أكثر مما يعكس الخبرات العملية. ونتيجة لذلك، يتم تدريب الطلاب على قراءة المصطلحات وحل المعادلات وتركيب الصيغ، مع نقص في اكتسابهم الخبرة في التطبيق في العالم الحقيقي الأمر الذي يحد من كفاءتهم وقدرتهم على الابتكار في مجال تخصص كل منهم.
وهذا لا بد أن يتغير. ویجب أن یركز التعليم العالي بشكل مباشر علی تطویر المهارات التي یحتاج إليها الطلاب للنجاح في سوق العمل سريع التطور. ويجب علينا أن نرفض الانقسام الزائف بين النظرية والتطبيق. كما ينبغي ربط التفكير العميق بجرأة اتخاذ القرار وهو أمر حاسم لخريجي الجامعات اليوم.
وتشير نتائج تقرير صدر مؤخراً عن معهد ماكينزي إلى أنه بدلاً من الوظائف التي سنفقدها بسبب انتشار الأتمتة في السنوات ال13 المقبلة، سيتم إحداث مئات الملايين من الوظائف الجديدة لتلبية الطلب في الاقتصادات الناشئة، وخدمة شريحة السكان المسنين، وتطوير التكنولوجيا. والمطلوب على جناح السرعة إعداد الطلاب لهذه الاتجاهات واستشراف آفاق مجالات أخرى سيكشف عنها المستقبل.
لماذا لا نكلف الروبوتات أعباء حفظ المعلومات ونقوم بتطوير نظام تعليمي شبكي لا يستغني عنه مجتمعنا الذي صار شبكياً؟ أنا لا أقصد توفير خدمة واي فاي في الحرم الجامعي - على الرغم من أنها باتت ضرورة ملحة، لكنني أشير إلى التعلم عبر مساقات تخصصية تتيح للطلاب متابعة مختلف المسارات الوظيفية من خلال تشكيل فرق العمل، والانخراط مع الشركات، والمساعدة على تحديد المشاكل في العالم الحقيقي واكتشاف الحلول المبتكرة التي تخلق قيمة للمجتمع.
ويجب أن يصبح التعليم مرناً من خلال الشراكات مع المجتمعات المحلية والحكومات والمنظمات الربحية واللاربحية. لماذا لا تتحول العلاقة بين الطلاب والمعلمين لمدة أربع أو خمس سنوات إلى شراكة للتعلم مدى الحياة.
لا شك في أن التعلم عبر مساقات تخصصية يعزز قيم التعاون والإبداع، والتي أصبحت الأهم في العديد من المهن وهي مرشحة لاكتساب المزيد من الأهمية في بيئة العمل في المستقبل.
وأخيراً فإن انتشار الأتمتة الواسع هو دعوة صريحة لإحداث ثورة في التعليم العالي. وإذا أتقن المعلمون دورهم طبقاً لهذه الرؤية فسوف يعززون التناغم بين مؤسساتهم التعليمية وسوق العمل بدلاً من التنافس مع الشركات الذي يتسبب في تخلف التعليم وإبعاد الطلاب عن مختبرات المستقبل.

*مستشار في جامعة توماس
جفرسون بلومبيرج

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top