تصدير :

يقول مشيل فوكو: "(...) الولادة ومعدّل الخصوبة والإنجاب والأمراض تهدد بشكل مباشر الإنتاج، وتساهم بوجودها في ضعف الإنتاج وانخفاض وقت العمل وتدني الطاقة وارتفاع التكلفة الاقتصادية. إنها تتسبب في نقص الإنتاج والعلاج المكلف"( فوكو، ميشيل، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة 2001).

هكذا بدأ الإنسان الغربي يتعلم شيئا فشيئاً معنى أن يكون نوعاً حياً في عالم حي، أن يكون له جسد وشروط وجود، واحتمالات حياة، وصحة فردية وجماعية، وقوى يمكن تغييرها وفضاء يمكن فيه توزيعها بطريقة أمثل.

(والنظر إلى) تأهيل الجسد باعتباره الوحدة المادية التي يتألف منها البنيان الاجتماعي، الذي يجب تشغيله كآلية إنتاجية كبرى.

(ميشيل فوكو: المدخل السياسي إلى الصحة.. السياق التاريخي لتشكّل المؤسّسات والممارسات الطبّية. بقلم: زكرياء الإبراهيمي alawan.org).

شذرات الشهية :

يقول العاشق جلال الدين الرومي :

"ليرتفع منك المعنى لا الصوت فإن ما يجعل الزهر ينبت ويتفتح هو المطر لا الرعد... ولا تسر مع التيار كن أنت التيار. (وقد) تعلمت التفكير، بعدما تعلمت التفكير داخل قوالب، بعدها تعلمت أن التفكير الصحيح هو التفكير من خلال تحطيم القوالب. يوجد معلمون مزيفون وأساتذة مزيفون في هذا العالم أكثر من عدد نجوم الكون. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقيين. فالمعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة أو إعجابا تاما منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها. إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم...".

فاتحة الكلام :

أذكر إشارة وردت في مقال للناقد الفرنسي رولان بارت، تقول إن المدرس/ة (التاء إضافة مني) يشبه شهرزاد ألف ليلة وليلة، فهو محكوم عليه بالكلام - خلال الدرس- كما هو محكوم على شهرزاد الكلام خلال الليالي، وإلا سيموت أو يقتل. فهل هذه المشابهة قائمة فعليا بين المدرس/ة وشهرزاد؟ وما الفرق بين الموت الذي يهدد شهرزاد والموت الذي يهدد المدرس/ة؟

شهرزاد وسلاح الحكاية لمواجهة الموت :

القصة الإطارية الرئيسة السائدة لحكايات «ألف ليلة وليلة» تحكي عن ملك يدعى شهريار، اكتشف خيانة زوجته فقرّر إعدامها، وتشكلت لديه عقدة مفادها أن كل النساء خائنات. لذا أصبح هذا الملك يتزوج من العذارى، يومياً، ليقتل عروسه الجديدة ليلة العرس، قبل أن تأخذ الفرصة لتخونه.

وبعد فترة لم يجد الوزير، الذي كان مكلفاً بتوفير عروس جديدة للملك، مزيداً من العذارى. عندها عرضت ابنته شهرزاد نفسها لتكون عروساً للملك، فوافق أبوها على مضض. وفي ليلة زواجهما الأولى، بدأت شهرزاد تحكي حكاية للملك، ولكن لم تنهها، فأثار هذا فضول الملك لسماع نهايتها، مما دفعه إلى تأجيل إعدامها. وفي الليلة التالية، عندما تنتهي من حكاية ما تبدأ بحكاية جديدة، يتشوق الملك لسماع نهايتها هي الأخرى، وهكذا حتى أكملت لديه ألف ليلة وليلة (ما يقارب ثلاث سنوات).

وهذا يظهر أن شهرزاد ابتدعت طريقتها الخاصة لتفادي مصير الزوجات السابقات لشهريار، أي تفادي الموت، بل القتل الذي كان الدواء الوحيد لشفاء نفسية الملك المريضة من عقدة الإحساس بالخيانة.. وبحثت عن دواء جديد هو: الحكاية المشوقة والهادفة والمتنوعة والجامعة بين الشعر والنثر، وبين الواقع والخيال، والحقيقي والعجائبي، والمطهرة (حسب مفهوم الكاترسيس الذي ابتدعه أرسطو) للنفس من حقدها وغلها وخوفها... لم تكن مضامين الحكاية أيضا بعيدة عن التنوع، فهي تجارب في الحب والكراهية، في الحياة والموت، في الوفاء والخيانة، في الاستقرار والترحال والمغامرة...كانت غسيلا دماغيا ذكيا وعلاجا نفسيا قبل اكتشافات سيغموند فرويد لأغوار النفس البشرية.

هل كانت شهرزاد مضطرة لذلك؟ نعم إنها كذلك، فاجتهادها وتطوعها لهذه المهمة الخطيرة فرضا عليها الإبداع والابتداع في طرق الحكي، فكلامها ليلا لا يحتمل الصمت أو التوقف أو العجز لأن نتيجة ذلك كانت معروفة، هي: الموت قتلا. لذا كان عليها أن تملأ المسافة الزمنية الفاصلة بين بداية الليل ونهايته بالحكايات، في انتظار التوقف عن الكلام المباح في الصباح (الفجر)، حيث يصبح النهار مرادفا لإمكانية الصمت عكس الليل الذي لا يسمح فيه إلا بالكلام. ولإطالة الليالي والحياة كان لزاما على شهرزاد أن تتجاوز الحكاية نفسها. كيف؟ المعروف أن لكل حكاية بداية ونهاية، ولذلك فهي لا تكفي سوى لتغطية وقت محدد، وهو أمر موضوعي، لكنه خطير، ولهذا ابتدعت شهرزاد لعبة التشويق (وهي التقنية التي تبنى عليها جميع الأعمال الدرامية والسينمائية والمسرحية الحديثة) بواسطة تقنية هائلة تم اكتشافها في العصور الحديثة تسمى البنية الانشطارية كترجمة لـla mise en

abime، وهي التي مكنت شهرزاد من تضمين حكايات في حكاية واحدة، والانتقال من حكاية أولى إلى أخرى، ثم العودة إلى الأولى، والانتقال إلى ثالثة ورابعة... في تداخل طريف يولد المزيد من التشويق والتعالق والتداخل، مما ساهم في تغيير نفسية شهريار وعلاجها وخلق ألفة بينه وبين شهرزاد على مدار الألف ليلة وليلة (يذكرنا هذا بالعلاقة الطريفة التي اكتشفها عبد الفتاح كيليطو بين الألفة والغرابة في الأدب العربي القديم في كتابه "الأدب والغرابة".ط1/ 1982).

فكيف واجهت شهرزاد الموت؟

الاختلاف عن الأخريات: فهي رفضت أن تكون ضحية لكراهية شهريار وشكه، وكأنها تقول: "لا تكن (تكوني) ضحية لغيرك".

المواجهة الذكية: استعمال الحكاية المنشطرة المحبوكة والعامرة بالحكم والتجارب والتشويق كان وسيلة جديدة وخاصة بها، وكأنها تقول: "لكل طريقته الخاصة في المواجهة، وعليك أن تختار أنجعها".

الثقافة والمعرفة: من خلال المعارف والمعلومات وألوان الفكر والأدب داخل الحكايات يظهر أن شهرزاد لم تكن امرأة عادية وسهلة كضحايا شهريار السابقات، فثقافتها الموسوعية والعميقة والمتنوعة ساعدتها على ربح المواجهة ضد الموت/ شهريار.

قوة الشخصية: كانت لديها، حسب الليالي، القدرة على الخوض في كل المجالات والمواضيع، ولم تكن تتهيب شهريار، وإن كانت تدغدغ غروره ونرجسيته، لكنها كانت تدق في لا وعيه إبر العلاج، وراهنت على الوقت فأفلحت في ذلك.

المدرس/ة: أكون أو لا أكون

سليل شهرزاد هذا (بالتأنيث والتذكير) تفرض عليه مهنته أن يكون حكاء ماهرا، وبارعا في القول والفعل، ومناورا من طراز رفيع، قادرا على إدارة الجماعة (جماعة القسم) والتنويع في خطاباته مراعاة لتمثلات أفراد المجموعة وتفاوت مستواهم ومرجعياتهم وظروفهم النفسية والاجتماعية. وهذه المعارف هي ما يفترض أن يتسلح به كل مدرس/ة. ولكن هل كل عرائس شهريار شهرزاد؟ وهل كل المدرسين هم المدرس المفترض أو المطلوب؟

من الإنهاك النفسي إلى الإنهاك المهني: عندما يرث المدرس/ة مأساة شهرزاد

يوجد المدرس/ة باستمرار في وضعية إشكالية مثله مثل جدته شهرزاد، مع فارق في الدرجة (الموت حقيقي (داخل الحكاية) بالنسبة للجدة ورمزي (داخل الواقع) بالنسبة للحفيد) ويا للمفارقة العجيبة. هذه الوضعية لها بعدان متداخلان رغم تمايزهما :

أ- البعد النفسي، باعتبار أن كل مدرس/ة هو كائن بشري له خصائص نفسية، ينفعل ويتفاعل مع محيطه، متأثرا بالعناصر الوراثية والاجتماعية والمادية وبنوعية العلاقات السائدة والذهنيات المنتشرة في بيئته. وهذا يجعله كائنا قابلا للمرض النفسي وللإصابة بالعقد والمشاكل النفسية. كما يجعله نموذجا للإنسان السوي القادر على تحدي المشاكل النفسية وتجاوزها بواسطة قوة شخصيته وتسلحه بالعلم والمعرفة والتجربة.

ب- البعد المهني، باعتبار أن التدريس ليس مهنة عادية، وإنما له خصوصيات تميزه عن غيره من المهن الأخرى المنتشرة في المجتمعات البشرية القديمة والجديدة، مهنة تستهدف ما هو وجداني ونفسي وعقلي ومعرفي، مهنة تبني عبر الثقافة والعلم، تبني ما هو ذهني وتجريدي، وتدخل في جوهر بناء الوجود البشري، كما تعتبر قاطرة لبناء الحضارات الإنسانية وتطويرها، مهنة تحتاج إلى مهني ماهر ومجدد وقادر على الإبداع.

وإن كان الإنسان العادي (بمهنة أو بدونها) يعاني من مشاكل نفسية متداخلة الأسباب والعوامل، فإن المدرس/ة يعاني - إضافة إلى هذا- من إكراهات نفسية وليدة ممارسته مهنة التدريس، التي تعتبر من أكثر المهن المنهكة، حسب بحوث علمية دولية (خصوصا ارتباطها بمهن الخدمات الاجتماعية). وبحكم أن المدرس/ة لا يعمل سوى من خلال علاقته بالآخر المتعدد (التلاميذ/ الإداريون/ الآباء/ المفتش/ الزملاء...) فإنه يجد نفسه بشكل دائم في وضعيات تتطلب منه بذل جهد أكبر، ومن هنا تتولد حالات الإنهاك المهدد له ككيان تربوي ونفسي. وقد كشفت دراسات حديثة في أمريكا وكندا وأوربا عن "مرض" يطلق عليه حسب أدبيات طبية متعددة: التفحم النفسي أو الإجهاد النفسي أو الإنهاك النفسي، أي ما يقابل:out burn، وهو ما يدل لغويا على الاحتراق الداخلي للطاقات الفردية (ص 54/ ع.ت 65).

ومن أهم تعاريفه أنه "حالة انزعاج واختلال يحس بها الفرد السوي بعد أن كان يحقق مردودية طيبة ويعيش حالة نفسية طيبة، حيث يفقد إحساسه الإيجابي السابق" (بريل). كما يعرف بكونه علامة (عرض) على إجهاد انفعالي تفقد معه القيمة الاعتبارية للذات في مواجهة الآخر (ماسلاش/ جاكسون). ويشير كل من بانس وأرونسون إلى أن الإنهاك المهني: "حالة من الإرهاق البدني والانفعالي والذهني" ناتجة عن تواجد الفرد/ الذات في وضعيات انفعالية تتطلب مجهودا وطاقة كبيرين"(ص 55/ع.ت 65).

ويظهر من خلال هذه التعاريف السابقة أن المدرس/ة هو دوما في وضعيات منهكة (بكسر الكاف)، وأن التدريس هو مهنة الإنهاك المستمر، وعلى المدرس (والمسؤول التربوي عموما) أن يستحضر هذه الصعوبة ويتسلح لها معرفيا ونفسيا، في الوقت الذي يبقى على الجهات المسؤولة توفير الشروط المادية والتربوية للتخفيف من وضعيات الإنهاك التي تهدد المدرس/ة بشكل مستمر.

ما المطلوب، إذن، من المدرس/ة لمواجهة هذه التحديات المهنية التي تتسبب في مرض الإنهاك المهني؟ ماذا أعد المدرس/ة لمواجهة هذا التحدي؟ وماذا أعدت الدولة ومؤسساتها الرسمية لمواجهة مرض ينخر طاقتها البشرية ويهدد هوية الوطن؟

بالنسبة للمدرس/ة ما عليه سوى الاقتداء بجدته شهرزاد، فهي لم تعول على غيرها (الأب الوزير/ أو الأسرة، خصوصا الأخت/ أو نساء الملك..) وإنما اعتمدت على إمكانياتها الفردية/ الذاتية: جسدها كأنثى، ومعرفتها من خلال ثقافتها الواسعة والذكية، ومهاراتها في الحكي، وقدرتها التواصلية مع شهريار المريض بالشك. سيقول البعض: فهمنا هذه الأمور، لا بد للمدرس/ة من التسلح بالمعرفة وامتلاك المهارات والقدرة على التواصل، ولكن ما دخل الجسد في الموضوع؟ نعم إنه اعتراض مقبول: الجسد هنا لا علاقة له بالغواية، بل الجسد كطاقة مادية ونفسية، الجسد كأيقونة (ليس من المفروض أن تكون جميلة)، ولكنها تحمل كل الخبرات الأخرى وتجسدها وتقي نفسها من المرض. فهل كانت شهرزاد ستنجح لو أهملت العناية بجسدها؟ لو أرهقته وحرمته النوم والراحة أو تركته خاملا غير قادر على تشخيص المواقف والتعبير عنها؟ كذلك هو جسد المدرس/ة حامل لعدة رسائل وإشارات، لا بد من تنظيمها والتحكم فيها وتوظيفها بشكل معقلن بعيدا عن الفوضى واللاجدوى. كثيرة هي الرسائل التي يرسلها جسد المدرس/ة لأنه جزء من الدرس داخل فضاء حجرة الدرس، ولا بد للمدرس/ة أن يراهن عليه ويوظفه بشكل جيد (الحركات والإشارات/ الملابس والملامح..).

(«La seule preuve de notre existence, c’est notre corps»David Cronenberg).

الاحتراق النفسي طريق إلى :...

المرض النفسي (الحمق/ الجنون):

مع الأسف تخلو المكتبة التربوية، المغربية خصوصا، من أبحاث علمية ترصد حالات المرض النفسي الحاد الذي تصاب به فئات المدرسين والمدرسات بسبب احتراقهم النفسي المهني، المقرون بأسباب وعوامل أخرى مصاحبة له. وكل ما نعرفه هو حالات عايشناها أو سمعنا عنها هنا وهناك. وتحضرني حالة أستاذ لمادة الاجتماعيات، أصيب بمرض نفسي، وتم فصله عن العمل في ظروف غامضة. وهو ليس من النوع العنيف أو الخطير، بل جد مهذب وهادئ، وما يذكره عنه معارفه أنه ظل يتردد باستمرار على البلدة التي كان بها مقر عمله السابق. إذ يختفي عدة شهور أو سنة كاملة، ثم يظهر في أزقتها. لا يمد يده لأي أحد، ويظل واقفا في أماكن كان يعرفها جيدا أيام عمله بالبلدة: قرب دكان القصاب أو المقهى الذي كان يرتاده أو قرب باب المؤسسة التربوية التي كان يشتغل بها أو قرب الدكان الذي كان يشتري منه سجائره. إذا كان يعرفك يتطلع إليك بنظرة فيها استعطاف بدون كلام. يعطف عليه كل الذين يعرفونه بقليل من المال أو الملابس، ويظل يتسكع بأزقة البلدة إلى أن يقرر في غفلة من الجميع الرحيل ليختفي من جديد في انتظار موسم هجرة جديد.

يذكره بعض تلاميذه بكثير من التقدير، فقد كان مخلصا في عمله ومواظبا وجديا، ولكن ما هي أسباب مرضه؟ تتناسل الروايات متراوحة بين المخدرات والسحر، ولا أحد يعرف الاحتراق النفسي وعوامله الملازمة.

هذه الحالة مجرد مثال عابر عن وضعية مسكوت عنها، فالوزارة الوصية لديها آلاف الملفات الطبية، التي قد تكشف عن حجم "الخسائر البشرية/ النفسية" في المنظومة التربوية، ولكنها تترك تلك الملفات مركونة في الأرشيف وعرضة للغبار والحشرات. وبالرغم من الدعوات المتكررة لإصلاح التعليم فلا أحد تطرق إلى هذا المسكوت عنه: الصحة النفسية لأطرنا التربوية، وكيف نرتقي بها ونحميها للنهوض بتعليمنا نحو الأفضل.

الموت

نفس السؤال يطرح: ما هي أسباب موت المدرس/ة؟

بعيدا عن الأسباب "المعروفة" أو "الطبيعية" أو "العادية": الشيخوخة/ حوادث السير/ فشل عملية جراحية...السؤال يستهدف الكشف عن أسباب موت/ مقتل المدرس/ة إما بالنزيف الداخلي أو الجلطة الدماغية أو الانتحار.. كم عدد المدرسين المغاربة الذين ماتوا لهذه الأسباب المشار إليها؟ وما هي العوامل الكامنة وراء ذلك؟

أكيد أن الوزارة الوصية لديها إحصائيات في الموضوع، لكن أين هو تحليلها وتوظيفها في البحث عن مكامن ضعف المنظومة؟ هل من العادي أن يقدم مدرس/ة على الانتحار أو يموت بسب انفجار دماغه تحت ضغط العمل واكراهاته؟

هنا تحضرني حالتنا :

أ- انتحار مدرس ناجح في امتحان الترقية :

كان مدرس مادة علمية بالتعليم الثانوي التأهيلي، وكان قد تزوج حديثا وشاركه زملاء له متعة التحضير لاجتياز امتحان الترقية إلى الدرجة الأولى. كان شغوفا بالحياة، ولذلك نجح، وكان مسرورا بذلك. بين الفينة والأخرى كان يحكي عن بعض المشاكل الأسرية كجميع المتزوجين، ولم يذكر قط مشاكل العمل بالمدرسة. ولكنه كان يبدو كالمتردد والخائف من أمر ما. ومرة عثر عليه تائها بمدينة بعيدة، وبعدها عاد إلى العمل كأن شيئا لم يحدث، ثم فجأة بلغنا نبأ انتحاره. كانت صدمة كبيرة لكل الزملاء. الموت يتربص بالمدرس/ة .. لافتة ظلت معلقة في أذهان الجميع، ولا أحد بحث في الموضوع بجدية، وطوي الملف بعبارة مقيتة تنتهي بها حياة كل مدرس/ة: (يشطب عليه من سلك التدريس).

ب- انفجار مخ رياضي :

كيف يعقل أن يصاب مخ عاشق للرياضيات؟ وكيف يمكن له أن يصاب بالإحباط وهو خبير بالـ yوالـx والمجاهيل والعمليات المعقدة؟ هذه هي الأسئلة التي طرحت علي وأنا أسمع خبر موت مدرس الرياضيات بسلك الإعدادي الثانوي. شاب في مقتبل العمر وفي سنته الأولى بالعمل، وقد حصل على الكفاءة المهنية منذ شهر تقريبا، فكيف يصاب بنزيف داخلي في المخ؟ إنه قدره، كما قيل، وكل إنسان معرض للموت. نعم قد يكون الأمر كذلك ولا راد للقدر والقضاء، ولكن هل تعلمون أن هذا المدرس تكلف بتدريس عدة مستويات بالإعدادي والتأهيلي حوالي خمس مرات في ظرف مدة قياسية (حوالي ستة أشهر)، وأنه اضطر للانتقال إلى أكثر من مؤسسة في أماكن متباعدة، هو المبتدئ صغير السن. وتكون بذلك المديرية الإقليمية للتعليم قد ارتكبت جريمة في حق هذا المدرس، حيث دفعته إلى الاحتراق النفسي، أولا بسبب تساهله -رحمه الله- في حقوقه، وثانيا بسبب صعوبة التأقلم مع أكثر من محيط مدرسي وحرمانه من حقه في الاستقرار .

العودة الى البداية :

نفس السؤال الذي طرحناه على شهرزاد نجدد طرحه على المدرس/ة :كيف يواجه المدرس الموت المتربص به (مهنيا)؟

الاختلاف عن الآخرين: فهو عليه أن يرفض أن يكون ضحية لكراهية الآخرين وشكهم، وكأنه يقول: "لا تكن (تكوني) ضحية لغيرك".

المواجهة الذكية: استعمال المعارف الديداكتيكية والتربوية العلمية الحديثة كوسيلة متجددة وخاصة به، وكأنه يقول: "لكل طريقته الخاصة في المواجهة، وعليك أن تختار أنجعها".

الثقافة والمعرفة: كل مدرس مثقف أو مشروع مثقف.. يتميز بثقافة تراوح بين الموسوعية والتخصص والتنوع تساعده على ربح المواجهة ضد الموت/ الإنهاك.

قوة الشخصية: مع كل الأسف ليست هناك اختبارات نفسية للمرشحين لولوج مراكز التكوين بالمعايير العلمية الموضوعية، لأن المفترض في المدرس امتلاكه مقومات الإنسان السوي المتمتع بشخصية قوية، والقادر على مواجهة وضعيات الإنهاك الصعبة والمتعددة، والقادر على الخوض في مجالات متنوعة ومعالجة مواضيع شائكة. وهذه الشخصية تكون لها أسس نفسية ومعرفية بدرجة أولى.

التسلح بالمعرفة القانونية والخبرة الميدانية، فالمدرس الذي يجهل معظم حقوقه وواجباته أو يفهمها فهما سطحيا قد يصبح عرضة للمساءلة القانونية، التي قد تجره إلى مشاكل مزعجة ومنهكة لنفسيته، مما ينعكس سلبا على مردوديته.

وحين يفتقر المدرس/ة إلى الخبرة الميدانية في المجالات الجمعوية والسياسية يظل معرضا لعدة مشاكل في التعامل مع الآخر، سواء كان تلميذا أو إدارة أو آباء.. لأن معرفة المدرس/ة بالعمل التنظيمي في إطار المجتمع المدني أو السياسي تمنحه قدرة إضافية لإدارة إكراهات العمل، وتؤهله للعب أدوار مهمة في تنشيط مؤسسته، وطرد عوامل الإنهاك المهني، وتطبيع علاقاته مع الآخرين المشار إليهم سابقا، واكتساب شخصية اعتبارية تميزه عن غيره.

هذه بعض أساليب الوقاية من الإنهاك المهني في التعليم للانعتاق من "موت "محقق.

ولكن هل الوزارة الوصية (وزارة التربية الوطنية ...) وعبرها الدولة (وضمنها الحكومة) توفر شروطا موضوعية لتخريج مدرسين بمواصفات تضمن لهم النجاح في مهامهم التربوية؟ وهل توفر لهم شروط عمل مناسبة للقيام بعملهم في أحسن الظروف؟.

بملاحظتنا لطرق التكوين في المراكز وظروفه ومضامينه ومدته، نلاحظ أن هذا التكوين، الذي يتلقاه المدرس/ة لمدة سنة في أغلب الأحوال، لا يمكنه من امتلاك العدة المعرفية والبيداغوجية للنجاح في عمله، لأنه يكون تكوينا مختصرا، ومتسرعا، ومخترقا بملابسات وإكراهات لا تربوية (من قبيل ما حدث لفوج أساتذة الغد:2015/2016). فالمدرس/ة الذي لا يراهن على إمكانياته الذاتية والتكوين الذاتي المستمر لا يمكنه أن يستمر في هذا المجال التربوي، وسيكون عرضة لمشاكل متعددة نهايتها احتراق نفسي، خصوصا أنه يقذف به إلى ساحة العمل، حيث يكتشف أن "المؤسسة التربوية"، التي قيل له عنها الكثير غير موجودة سوى في كراسات الدراسة، وأن هذا الفضاء الذي يشتغل فيه هو فضاء جديد هجين ومستباح وتحدث فيه وقائع غريبة - كما قال لوتمان- لذلك يصبح مكانا معاديا. ومن هنا تبدأ المشاكل: حين يصبح مكان العمل مكانا معاديا، وجل العلاقات داخله معادية وجالبة للتوتر والاستفزاز يتحول إلى جحيم، حيث يتعملق الإنهاك المهني، وتعشش فيه عوامل الاحتراق النفسي، وتتعدد أسباب الفشل والتخبط، وهو - بكل أسف- حال مدرستنا المغربية، التي أصبحت مرادفا لكل أنواع الفشل والتخبط والتدهور والانهيار. مكان قد يتسبب في المرض النفسي ويوصل المدرس/ة إلى حافة الجنون أو الموت.. إذا فشل في المواجهة.

ختم بدون نهاية:

هذا موضوع شائك لا يمكن أن أدعي أنني أنهيه هنا، ولكني أشكر السيدة شهرزاد، التي منحتني بعض القوة لمعالجة قضية شائكة تحدث أمام أعيننا، ولكننا لا ننتبه إليها، قضية الإنهاك المهني الذي يعاني منه المدرس/ة (المغربي خصوصا)، هذا المدرس/ة الذي يرث - حسب بعض الدراسات - ستة عشر مرضا من مهنته تتراوح بين أمراض عابرة للجسد وأخرى مزمنة وساكنة للبدن. ستة عشر مرضا، أهمها التوتر العصبي والضغط الدموي والاكتئاب وهلم جرا.. أمراض تجسد الإنهاك المهني والاحتراق النفسي للمدرس/ة.

ورغم محاولات الإصلاح التي تدعي النهوض بالمنظومة التربوية، فإن التدهور يتفاقم، وأوضاع مؤسسات التربية تتراجع، ومكانة المدرس/ة الاعتبارية تتوارى، حيث نجده - حسب آخر الإحصائيات الدولية - في الرتبة ما قبل الأخيرة في سلم الأجور بالدول العربية، التي تتراوح الأجور فيها ما بين سبعين ألف درهم (قطر) وثلاثة آلاف درهم (الجزائر).

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top