دعوني أولا أعود الى دوار آيت حمو أوسعيد (اقليم زاكورة) لأحكي لكم عن وقائع عشتها هنا وعلقت بذاكرتي..أول ما ينبغي التذكير به في مستهل هذه الحديث هو أن المدرسة الفرعية التي كنت أعمل بها تعرف بهذا الدوار مع أنها تقدم خدماتها التعليمية والتربوية لأطفال دوار تاركلمان الخاص بالحراطنة والذي أقمت في أحد أكواخه الطينية المظلمة صحبة زميل لي يتحدر من ورزازات. وهذا يدل على المكانة الدنيا التي يحتلهاا الدوار الثاني مقارنة بالدوار الأول..مع توالي الأيام، لاحظت أن هناك قطيعة اجتماعية بين سكان الدوارين..سكان آيت حمو أوسعيد، وهم امازيغ أحرار، يربطون علاقات مع السكان الحراطنة المجاورين لهم، لكن هذه العلاقات لا تتعدى نطاق العمل الفلاحي من حفر وزرع وحصاد في اطار التويزة المتعارف عليها، اما التصاهر بين الفئتين فهو نادر إن لم يكن منعدما بالمرة.

قبل استقبال التلاميذ برسم انطلاق الموسم الدراسي 1989-1990، أخبرتني في حينه إدارة م/م آيت خلفون بأنها أسندت إلي تدريس الرياضيات واللغة الفرنسية لتلاميذ مستويات الثالث و الرابع والخامس، على أن تدريس اللغة العربية والمواد الأخرى المدرسة بنفس اللغة لهذه "السمطة" (الحزام) أنيط بمعلم معرب يتحدر من مدينة ورزازات. أما القسمان الاول والثاني فقد جرى اسنادهما لمعلمتين تتحدران من المدينة الحمراء. وعندما تناهى إلى علمي بان المعلمتين حظيتا بالإقامة في دوار آيت حمو أوسعيد على خلافنا - نحن المعلمين الذكرين العازبين -  أدركت مدى الحذر والاحتراس اللذين تحلى بهما "الأمازيغ الأحرار" حيال من قال فيه أحمد شوقي: قم للمعلم ووفه التبجيلا ******كاد المعلم أن يكون رسولا.

الدخول المدرسي في واحة درعة، كما في غيرها من واحات جنوبنا الحبيب، يصادف في كل سنة موسم جني الثمور، ولا زلت أذكر كيف أنني كلما قطفت ثمرة كانت في متناولي من نخلة وأكلتها إلا وأستحضرت شراسة ويقظة حراس دوالي العنب في السهول الساحلية، خاصة عندما تتدلى منها العناقيد الشهية في فصل الصيف. هنا يسمح للمرء بقطاف الثمر وأكله دون خشية من أن يطارده حارس يشهر عصا غليظة وكانه يريد قتل ثعبان تماما كما يقع عندنا في دوالي بوزنيقة والصخيرات. زيادة على ما نلتقطه ونقطفه من ثمار أثناء عبورنا ذهابا وإيابا لأغراض مختلفة، يأتي لنا التلاميذ بكميات من الثمر وقناني بلاستيكية مملوءة باللبن وقد خثر..لهذا كنا نأكل الثمر ممزوجا باللبن فتحصل لنا متعة تذوق مزيج رائع من حموضة حيوانية وحلاوة نباتية قبل أن تحصل لنا متعة الشبع.

انتصف الخريف وأنا ما زلت مقيما في دوار تاركلمان صحبة المعلم الورزازي النحيف الجسم واللطيف السمت...تحركت الرياح بقوة في كل الاتجاهات وتمخضت عن أمطار غذت النهر بمياه اضافية انسابت اليه عبر الشعاب والوديان المشرفة على مجراه..لذا، أصبح عبور النهر قطعة لا تطاق من عذاب أليم..فضلا عن برودة مياه النهر في مثل هذا الوقت، هناك التيارات المائية القوية التي تتطلب مقاومتها جسدا متصلبا يصر على تثبيت قدميه الغائصتين في الماء على سطح المجرى المكون في الغالب من حجارة المسن..عندما تتحسن الأحوال الجوية ويقل تهاطل الأمطار تصبح منسوبات الأنهار متواضعة ويتراءى لنا حجر الواد..هنا لا بد من الاشارة إلى أن "حجر الواد" تحيل في لغة التبوريدة عندنا على حصان بنفس اللون..تزداد محنة العبور في مثل هذا الوقت عندما يكون العابر محملا بقفة وقنينة غاز..

في أحد المساءات الباردة من تلك الأيام، التحقت بفراشي المقابل لمهاد زميلي في النصف الآخر من الغرفة التي يعلوها حاجز من البلاستيك لمنع تساقط ذرات التراب من السقف..على ضوء الشمعة الكبيرة الحجم (المعروفة بالصباحية)، أخذت أقرأ في كتاب صغير يتحدث مؤلفه عن توظيف الثقافة في الصراع الاجتماعي..تمكنت من قراءته في ظرف وجيز واستشعرت رغبة في كتابة ورقة أستلهم موضوعها من القضايا والأفكار الواردة في الكتاب..بشكل تلقائي، تناولت ورقة وقلما وبدأت أفكر كيف أفض بكارة الصفحة البيضاء..

حاولت في البداية أن أكتب جملة مفيدة واحدة كما يقول هيمنغواي في "الوليمة المتنقلة". ثم جاءت الجملة الثانية فالثالثة مع الحرص على توفير الروابط المناسبة..أحيانا أشطب على بعض الكلمات وأستبدلها بأخرى احسن منها وأحيانا أخرى أشطب على جملة بكاملها أو أضع جملة جديدة في قلب المسودة مشيرا بسهم إلى مكانها الحقيقي..هكذا وجدتني في نهاية المطاف أمام مقال مخطوط وضعت له كعنوان: "شذرات من سجل الشهداء". لم أستسلم للنوم إلا بعد أن قمت بتحرير الورقة بخط واضح في بضعة صفحات، مراعيا ترقيم الفقرات وترتيبها مع كتابة الهوامش أسفل الصفحة الأخيرة وقاصدا في نفس الوقت إرسالها عبر البريد إلى العنوان الشخصي لحسن نجمي بالدار البيضاء من أجل أن تنشر في جريدة الاتحاد الاشتراكي، وفعلا فقد عرف مقالي طريقه إلى النشر ضمن أعمدة هذه الجريدة التي كانت سلة مهملاتها آنذاك مقبرة للعديد من مراسلات المناضلين والمتعاطفين...

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top