اطلعنا كعموم القراء والمتتبعين، على مقالة بإحدى الدوريات التقدمية ـ النهج الديمقراطي ـ عدد 254، حاولت على حد زعمها، متابعة ومعالجة أوضاع "اليسار" الساعي للتغيير "على ضوء التجارب المعاصرة" والاستفادة منها. إذ "لم يعد ينقص شعبنا سوى العودة لحالة الذهول والتأمل.. حتى لم يعد يقوى على التمييز بين الأخيار والمفسدين بكل الأشكال والألوان والأديان.." هكذا استهل "الرفيق ع باعزيز" خطابه، وهو خطاب لا يقل فسادا وإفسادا للخطاب اليساري المناضل، والملتزم، والمبني صراحة على الرؤية الطبقية الواضحة، والمراهن بقوة على المشاركة لجيش اليسار، بقواعده العمالية الضاربة، داخل النقابات، والجمعيات المهنية، واتحادات الطلبة والمعطلين، والتنسيقيات المناهضة للغلاء ولمسلسل ارتفاع الأسعار..الخ

عوض هذا اتجه هذا الخطاب المخدوم، الذي لم يدّخر جهدا، لإقناع عموم "شعبنا" بالتخلص من هذا الالتزام وهذا "المس" اليساري لصالح هذا الاكتشاف السحري، الذي سمّاه "الرفيق" بـ"الجبهات الميدانية"، التي يمكن أن تجمع كل "الرافضين" وكل من يجابه "المخزن".. بناءا على رؤية براغماتية مشككة في جدوى الأطروحة اليسارية، وفي دور نظرية الصراع الطبقي، ودور الصراع السياسي والفكري في رسم الأهداف، وفي تحديد الآفاق النضالية التي من الممكن أن تسهم في بناء مجتمع يتوق للحرية والانعتاق والديمقراطية والاشتراكية.. وهو الخطاب الذي لم يتردد على طول المقال عن غوغائيته، باتخاذه لهذا المنحى الملغوم، الانتهازي صراحة، والمنبطح للجحافل الظلامية، السلفية و"العدلاوية" ولمنظورها للتغيير باعتبارها قوى مناهضة "للمخزن"!

بهذا الشكل اتخذ المقال مسحة جديدة، والتي يبدو كأنها طلـّقت الفكر الطبقي، أو هي في طريقها لقطع جميع صلاتها به.. حيث يلزم المؤمنين به إعلان مواقفهم الواضحة، نصرة للكادحين، وعموم المهمشين، والمحرومين من أية مِلكية.. حيث يلزمنا لحظة التحليل السياسي والمقارعة النظرية، كيسار تقدمي مناضل، اجتناب المصطلحات حمّالة الأوجه، والتي يمكن أن تعبر عن الشيء ونقيضه، في نفس الوقت والآن.. إذ لا يوجد ماركسي عبر التاريخ، وداخل هذا العصر والكون، ما زال يجهل طبيعة ومصطلح "الشعب"، وحقيقة التناقضات والصراعات التي تنخره من الداخل، بما هي تعبير موضوعي وحي، عن تعارض المصالح والتطلعات، التي يجب أخذها بعين الاعتبار بتأن وحنكة، لا يجب أن تنسى أو تهمل في أية لحظة من اللحظات، مصالح الطبقة العاملة..

الخطاب هذا، المعني بالنقد، وليس المزايدة الثوروية، يعبر عن وجهة نظر حزبية لرفاق "النهج الديمقراطي"، الذين ما زالوا يعتدّون أنفسهم استمرارا لليسار الماركسي الذي تم إنشاؤه فترة السبعينات، برؤية ثورية انتقدت، بدون هوادة أو تحفظ، عموم الحركات السياسية الإصلاحية والتحريفية والانقلابية.. "رفاق" ما زال العديد منهم، إن لم نقل أغلبيتهم، يبرر هذه "الحقيقة" استنادا على الانتماء السابق لبعض القيادات الحزبية لهذا اليسار، الذي صنـّف نفسه ماركسيا، وأسس لنفسه حينها منظمات حملت نفس الصبغة، منظمات "إلى الأمام" ومنظمة "23 مارس" ثم منظمة "لنخدم الشعب".. يعني في القاموس اليساري "الحركة الماركسية اللينينية المغربية".. إذ بالرغم من تراجعات الحركة، وتنازلاتها في النظرية وفي البناء التنظيمي، ثم تنصلها من مشروعها السياسي والبرنامجي، ذو الخلفيات الماوية، التي كانت بمثابة موضة العصر في صفوف اليسار، والمسمى ببرنامج الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية.. الذي ما زالت أصداؤه حاضرة داخل بعض المواقع الجامعية المغربية لحدود الآن..

بالرغم من هذا، اندمجت الحركة في المشهد السياسي بجلبابها الخاص، عبر انخراطها في الشرعية وقبولها بالعلنية أسلوبا تنظيميا وحيدا، واحترافها للنضال الحقوق-إنساني مجسدة رخاوتها الميدانية والابتعاد العملي عن النضالات الطبقية والعمالية.. وبالرغم من هذا كله ما زالت الغالبية من روادها تنافح وتستميت في الدفاع عن هذا "الإرث" التنظيمي المشرّف والثقيل في نفس الوقت، لتعارضه البيّن مع ما جدّ في الخطاب، والمواقف، والتصور، والتحالفات..الخ

فهو إذن يسار ينشد التغيير، وهذه حقيقة لم يسبق أن "تناطح حولها عنزان"، إذ كان من المفروض أن تشكل منطلقا لهذا السجال، على اعتبار أن اليسار، ومنذ نشأته الأولى، كان مناضلا من أجل التغيير الجذري، معارضا ومناهضا للرأسمالية، حيث ارتبط ظهوره بالبرلمان الفرنسي خلال مطلع القرن التاسع عشر، حينها دعيت النخب السياسية المعارضة لسياسة الحكومة البرجوازية، باليسار، لتموقعها على يسار رئيس البرلمان.. وبالتالي كان اليسار منذ ولادته يمثل أخلص وأصدق ممثلي "الشعب" على هذه الواجهة، في مقابل ممثلي السلطة الحكومية البرجوازية.

كان وما زال تيارا سياسيا مناهضا للرأسمالية، اشتراكيا لا محالة.. لن تنفع معه مثل هذه الصيغ الفضفاضة والمبيـّتة، التي تروم لترك الباب مفتوحا لأعداء الحرية والديمقراطية والاشتراكية، الذين يراهن عليهم حزب "النهج" صراحة، لضمهم من الباطن لكنف تحالفاته المعهودة، تحت اسم "الجبهات المعادية للمخزن".. ولإفساح المجال والترويج لهذه الصيغ التضبيبية الكسيحة، عن "المفسدين" و"الأخيار" و"الهويات" و"الألوان والأديان"..الخ

فحالة الصدمة والذهول هي التي أصابتنا فعلا، ونحن نتابع قراءة هذا المقال، عسى أن نشتـّم منه شيئا يعبـّر عن الهوية اليسارية، أو يلمح حتى، للمواقف اليسارية المشرّفة والمعادية نظريا وفعليا وتاريخيا للرأسمالية، عوض هذا الهبوط للدرك الأسفل، وتوسل التحالفات مع غير التقدميين، وغير الديمقراطيين، أعداء الاشتراكية.!

إلى جانب هذا الانزلاق الخطير، والتنصل الواضح من مبادئ اليسار، فإن المناضل اليساري ليس بالفاعل الديمقراطي وفقط، كما تمت الإشارة له، بل يجب تمييزه عن كافة الديمقراطيين الآخرين، أي غير الاشتراكيين، لأن الديمقراطية التي من المفروض أن يدافع عنها اليساريون هي ديمقراطية شعبية، ديمقراطية جديدة، مغايرة ومناقضة للديمقراطيات البرجوازية المعتادة، حيث تتجاوز سقف التمثيلية البرلمانية.. فهي ديمقراطية يجب أن تكون منسجمة ومندمجة في مشروع البناء المجتمعي البديل وهياكله الاشتراكية.. كذلك الشأن بالنسبة "للطبقات الشعبية" و"الجماهير الشعبية" و"عامة الشعب".. وهي مفاهيم يجب أن تحظى بالوضوح الكافي في خطابنا اليساري، وخلال جدالاتنا النظرية والدعائية، لأن منطلقات اليسار المناضل كانت دوما واضحة، ولا تقبل الالتباس، منطلقات في عمقها ومضمونها طبقية، تعترف بالتناقضات في صفوف "الشعب"، وتعترف بأن داخل هذا "الشعب" نفسه، يوجد من يملك الثروات، ومن لا يملك شيئا.. حيث من الواجب، واللازم على عموم المناضلين اليساريين، الأخذ بقضية جميع المحرومين من المِلكية، وبالدرجة الأولى، أي العمال، والفلاحون بدون أرض، والمياومون، والعاطلون..الخ فعدا الأعداء الطبقيين، أي البرجوازية بكل فئاتها، وكبار الملاك، ومافيات الريع.. يلزم اليسار المكافح التخطيط الحذر لعقد تحالفات واصطفافات مع باقي الطبقات الشعبية الأخرى، وبالأساس الطبقة البرجوازية الصغرى، التي اكتسبت خبرة لا يستهان بها في ميادين النضال الاحتجاجي والإضرابات والعصيانات والانتفاضات..الخ

فالطريق إلى التغيير عملية مركبة ـ صحيح ـ تنطلق من الإمساك بمضمون الحرية والديمقراطية، وإعطائها البعد الشعبي.. وهو صحيح كذلك، بشرط توضيح هذا البعد وهذا المضمون.. والذي في نظرنا، وفي نظر جميع اليساريين الحقيقيين والمبدئيين، يجب أن يأخذ بعده الطبقي الاشتراكي الواضح، وهو الشيء الذي لم يشر له "الرفيق"، لا من قريب ولا من بعيد، في سياق مقالته هذه، والتي، بالمناسبة، لم تتجاوز الانطباعات العامة، ولم تقف حقا عند التعقيدات التي اصطدمت بها منظمات اليسار السبعيني، قبل أن تتراجع، وتراجع، وتنحرف عن الطريق الصواب المؤدية للتغيير، لتتلاشى في سوق الخردة الإصلاحية و"الحقوقية"..الخ

ففي الطريق إلى التغيير الثوري، يصعب اللعب على الحبال والجلوس بين منزلتين، وانتحال صفة "ثوري"، دون أن يكون المرء فعلا كذلك.. أو أن تكون متمركسا مدّعيا دون أن تلتفت لرسالة الطبقة العاملة التاريخية.. فعلى سبيل المثال، فالديمقراطية التي نطمح لغرسها في القلب مع المجتمع الجديد، ليست ككل الديمقراطيات المتجاوزة، ولا علاقة لها بما نشاهده، ونرصده في الديمقراطيات الغربية والانتخابية.. لكننا لا نرفضها، ولا نعارضها في ظل الأوضاع الحالية، حيث يسود نظام القمع والاستبداد والحكم الفردي المطلق.. وحيث يلزم الحركة اليسارية أن تناضل بدون هوادة أو تردد من أجل الحريات الديمقراطية، ومن أجل تحسين الأوضاع المعيشية للجماهير الشعبية، ومن أجل توفير الشغل للشباب العاطل ولعموم المياومين، ومن أجل صيانة الحق في التعليم والذود عن مجانيته ومجانية التطبيب..الخ مع التطلع الدائم لتغيير جذري سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي.. ينسق البنيات القائمة، ويعوضها بالبديل التاريخي والمنسجم.

فديمقراطيتنا المستقبلية ثورية خالصة، مرتبطة أشد الارتباط بطبيعة السلطة السياسية المنشودة، وبطبيعة الحزب السياسي الماسك بمقاليدها، سلطة يقودها ويديرها الحزب الثوري، حزب الطبقة العاملة المستقل، وقاعدتها ودعامتها المجالس العمالية والشعبية في المدن والأرياف.. إذ لا تحتاج الطبقة العاملة وعموم اليساريين الحقيقيين، والمرتبطين بقوة وإخلاص بمشروعها السياسي والمجتمعي سوى لهذه الدعامات، عوض مدّ الأيادي ومعانقة من يعاديها ويعادي فلسفتها وتصوراتها المستقبلية.. فهي لا تحتاج "لمن يحرص على تسيير شؤونها، ضمانا لحقوقها وتعبيرا عن تطلعاتها" فهناك الكثير ممن يدعون هذا، وبغض الطرف عن الخلاصة الماركسية الثابتة، بأن تحرير الطبقة العاملة، لن يكتب له النجاح إلاّ إذا تم من صنع نفسها، ومن إبداعها، ومن تلاحم حلفائها.. وهذه حقيقة يدركها عموم اليساريين المبدئيين.. فإي تغيير أو ثورة تحريرية لا تقيم الاعتبار لمساهمة وإشراف، وقيادة الطبقة العاملة لعملية التحرر هذه، سيكون مصيرها الفشل التام والأكيد، إذا كنا فعلا نهتدي "بضوء التجارب المعاصرة".. فغير هذا لن نتعدى سوى النتائج الكسيحة، أنماط جديدة من الإستبداد، دساتير وانتخابات وبرلمانات للفرجة.. وسيل من القرارات التي يمكن أن تعصف بما تبقى من "المكتسبات" الاجتماعية، و"بهامش" الحريات، وبالقدرة الشرائية للغالبية الساحقة من المواطنين.. تعزيزا لسلطة اللبرالية، القابضة بزمام الحكم والأمور..

"فحرية المشاركة في القرار" لا معنى لها في المنطق السياسي والاجتماعي، ولن تكون لها قيمة خارج السلطة السياسية، التي يجب على الطبقة العاملة وحزبها الثوري، الإمساك بها والظفر بها.. حيث لا ننكر كيساريين أهمية وضرورة التحالفات الطبقية والسياسية الحزبية في إطار من الاصطفاف والتنسيق والعمل المشترك، فهو عمل وحدوي لا بد منه خلال مرحلة تحضير الثورة، وقد يستمر لمرحلة قصيرة أو طويلة ما بعد الثورة، حسب شروط وظروف الثورة نفسها.. لاجتناب وضع، وحالة ذلك "اللحن الحزين" الذي وصف به ماركس غياب الفلاحين عن المشاركة في رائعة الكمونة، إن لم نقل التحاقهم بصفوف أعدائهم وحلف الثورة المضادة.. واستفادة من أخطاء الكمونة، التي تبقى من أقوى التجارب العمالية العصرية، لا بد على جميع اليساريين الأقحاح تحديد رؤيتهم للتغيير والاستفادة من دروس ثورات الشعوب، حيث يلزم الجميع، وقبل تحديد هذه الرؤية، تحديد من هم في نظرنا كيسار، المعنيون بالتغيير؟

وحسب وجهة نظر اليسار المناضل والمبدئي، تتقدم الطبقة العاملة في طليعة الجماهير الشعبية غير المالكة، ومحدودة الملكية، لقيادتها وقيادة جميع نضالاتها واحتجاجاتها، كالحرفيين الصغار، وأصحاب الورش المتواضعة وفقراء الفلاحين، وصغار التجار، والموظفين البسطاء، والمياومين والمعطلين عن العمل..الخ وهي بمثابة القاعدة الاجتماعية العريضة، التي يمكن للطبقة العاملة ولحزبها الثوري الاشتراكي، الارتكاز عليها، والرهان على مشاركتها في النضال من أجل التغيير، والتحرر الوطني الاشتراكي.

أما عن دور اليسار في قيادة عملية التغيير هذه، وهي بالمناسبة عملية ثورية صريحة، لا معنى في التردد لإعلان عن طبيعتها هذه.. لها أنصارها، والمعنيون بها، والمستهدفون بها.. فهم ليسوا "الجميع"، كما أفصح عنه صاحبنا، لغاية في نفسه، بالرغم من أنها مكشوفة ويدري بها عموم اليساريون المغاربة! لأن معركة التغيير محسومة قاعدتها، وسيشارك في معمعان خطواتها، السواد الأعظم من الجماهير الشعبية الساحقة والمسحوقة، وسيناهضها ويعارضها بشراسة البعض القليل، جزء منه متردد ومتقلقل، والجزء الآخر تتعارض مصالحه جذريا مع عملية التغيير، لأنه يستفيد ماديا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، من الأوضاع الطبقية القائمة، وهي المختلة بشكل واضح، ولا تخدم سوى مصلحته الفردية والطبقية الخاصة.

فاليسار الذي يضع في أجندته مهمة بناء ذات اليسار، ويجهد النفس من أجل وضع برنامج للمرحلة، أي برنامج تكتيكي بلغة الماركسيين، يجب أن يتوفر على برنامج واضح على الأمد الطويل، أي كما نسميه في القاموس الماركسي، بالهدف الإستراتيجي، الشيء الذي غاب عن ذهنية الخطاب موضوع النقد.. لأن اليسار الذي نحلم بتقوية صفوفه ودعائمه، والذي نغرف من ماعون أفكاره وتصوراته ومبادئه ومواقفه، وجب أن تكون مواقفه واضحة، وتكتيكاته معلنة، ومشروحة ومبررة.. لكي تستحق التأييد والإشهار لعموم الجماهير الشعبية الكادحة والمحرومة، ولكي تقيه وتعفيه من استعمال الأساليب البذيئة والمنحطة، التي ترمي لتشويه الأفكار، والمواقف والبرامج، والمخالفين "المارقين".!

ومن مجمل ما أشار عليه "الرفيق"، بالنقد فيما اعتبره ممارسة "لليساريين" في الميدان، هو نزعتهم نحو استعجال المكتسبات.. وهي في الحقيقة موجودة عند هؤلاء القوم، بل هي متضخمة، وبشكل فج.. دفعت بروّادها للرهان على "الشرعية"، و"القانونية"، واستعمال الواجهة "الحقوقية" كواجهة رئيسية وأساسية للاستقطاب وتوسيع قاعدة الأتباع، أو كما أسماه "الرفيق" باختراق الفضاءات.. والحال أن العملية لم تفضي لأية نتيجة إيجابية تذكر، لأن الرهان خاطئ، وليس له ما يؤيده طبقيا واجتماعيا، وقد يؤدي لنتائج عكسية.. ودليلنا في ذلك، نجاح الفاشيات الأوربية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، في الاستقطاب المتخم والرهيب في صفوف الشباب، والنساء، والعمال، وصغار الفلاحين، في كل من إيطاليا وألمانيا وإسبانيا.. وكذلك الشأن في إيران أواخر الستينات، وبعدها في مصر وباقي الأقطار العربية والإسلامية، بداية السبعينات..الخ لأن اليسار، وكما أشرنا له منذ بداية هذه التوضيحات النقدية، وإن كانت ذات طبيعة تأكيدية "لرفاق" كنا نعتقد أنهم عالمين بها، بل مؤمنين بحقيقتها، عوض انزلاقاتهم الدائمة والمتكررة لهذا الحضيض المقرف، ولهثهم وراء هذه الرهانات القاتلة، باعتبارها حلاّ لا محيد عنه للمعضلات الخاصة بتنظيمات من يدّعون نفسهم يسارا.!

وبالعودة لسؤال التغيير، والجدوى من طرحه الآن، ارتباطا بمهامنا كيسار مناضل ومبدئي، نعود للتاريخ ولتاريخ بزوغ الرأسمالية وهيمنتها على أهم الاقتصادات بالغرب الأوربي، حيث برز اليسار، بالموازاة، كحركة اشتراكية، عملت على تنظيم وتأطير نضالات الجماهير الشعبية المسحوقة، داخل إطارات سياسية ونقابية وجمعوية، للرفع من وعيها بواقعها، وبحجم قضاياها، ولتحقيق مطالبها، والدفاع عن حقوقها، والتقدم في تنفيذ إستراتيجيتها في التغيير، للقضاء النهائي على جميع مظاهر الاستبداد، والنهب، والاستغلال.. يعني الرأسمالية في آخر المطاف، باعتبارها تلخص جميع شرور العصر.

فعلى هذا الأساس، لم تعد الحاجة في عصرنا الحالي، لإعادة طرح سؤال التغيير بمثل هذه الطرق المشككة والمرتبكة، وكأنها لا تعتقد أن ذلك من تحصيل الحاصل بالنسبة لعموم اليساريين المبدئيين، لأن السؤال لا يعارض الأصل والمنطق الذي تشكل عليه، وبه، وسيبقى وفيّا، كتيار مناضل حسم في اختياراته ومواقفه، عبر معانقة قضايا الكادحين، العمال، والأجراء، ومحدودي الدخل، والحرفيين، وصغار التجار والفلاحين، والمياومين، والعاطلين..الخ

صحيح أن هناك خلاف في الرؤية في صفوف اليساريين الحقيقيين، أي في الكيفية، وفي الخطة الناجعة لتحقيق التغيير، دون أن يكون هناك خلاف حول مضمونه، الذي يجب أن يقضي نهائيا على التسلط، والاستبداد، وجميع أشكال النهب والاستغلال.. بما يحقق كرامة المنتجين الكادحين، ويضمن حريتهم، ومساواة جميع الفئات والمكونات في أوساطهم.. وهي قيم اشتراكية نبيلة ونوعية، مرتبطة أشد الارتباط بفكر اليسار، قيم تستحق الدفاع عنها، والنضال من أجلها، بل الاستماتة حتى في الذود عليها، من أجل تحقيقها وتجسيدها، فالقوة الجماهيرية في حاجة لحزب اشتراكي قوي لقيادتها، حزب جماهيري له قواعده، عمالي، لكنه مدعوم بكافة الجماهير الكادحة والمحرومة، له قواه الضاربة في جميع المجالات والقطاعات.. وعدا هذا سيكون التيهان، وسيحصل الانحراف عن السكة الصواب، وسنخسر مرة أخرى معركة التغيير، التغيير الحقيقي بأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.. ليحصل التخبط، والتجريبية، والعشوائية، والشعبوية التي يمكن أن تقول كل شيء ولا تقول أي شيء، في نفس الوقت والآن.. فهي العشوائية إذن، وأخطر نماذجها "العشوائية النظرية" التي يمكن أن تمس وترخي بظلالها على جميع المستويات الأخرى، وبشكل خاص المستوى السياسي ثم المستوى التنظيمي، لأن النجاعة في العمل النقابي مثلا، وبالنسبة لليسار الاشتراكي تحديدا، لا بد وأن تضع نصب أعينها تنظيم الجماهير العمالية، والعمل على رفع وعيهم السياسي، بما يعني ذلك استقطابهم، وربطهم بالحزب وبمشروعه الثوري، الفكري والسياسي والتنظيمي، "لأن الديمقراطية والاستقلالية" عن الحزب وعن مهامه التكتيكية والإستراتيجية، كلام أجوف ونقيض للماركسية وللمبادئ اللينينية، ويعني عمليا، وبكل صراحة الارتماء في أحضان البيروقراطية، والانسجام مع المشروع اللبرالي، الذي من مصلحته التحكم في مصير الطبقة العاملة، والحد من طموحاتها الثورية، والتشويه العملي والنظري لكل معاني النضال النقابي العمالي وحصره في النضال "الخبزي" القاتل، ليتم بالتالي، إغراق النقابات العمالية بلوبيات هذا الشكل من النضال، وباتحادات الموظفين، والجمعيات المهنية وروابط الحرفيين وذوي المهن الحرة، وملاك المقاهي والحافلات..الخ على اعتبار أن الجميع "شغيلة" يندرجون في صفوف الطبقة "المأجورة"، بل و"العاملة" حتى.!

وفي سياق الاجتهادات المثيرة، انتصبت مهمة "بناء الحراك"! والحقيقة أن اليسار المناضل مطالب دوما ببناءه وتأطيره ودعمه، الشيء الذي يقتضي توحيد صفوف الحركة الاشتراكية ودمجها في حزب عمالي مناضل، لا بد منه، ونشر أفكاره ومواقفه على أوسع نطاق، وسط العمال والعاملات، وفي صفوف المثقفين والشبيبة المدرسية، وفي أوساط شبيبة الأحياء الشعبية، وسط المدن والقرى.. إذ يقتضي كذلك، وفي هذا السياق، التحديد الواضح والدقيق للحلفاء الدائمين والمؤقتين خلال المعركة، في مقابل أعداء الثورة، أعداء الحرية والتحرر، أعداء الديمقراطية والمساوات.. الصريحين والمندسين باسم معارضة المخزن.!

فالجماهير الشعبية مطالبة بالانتصار لديمقراطيتها الجديدة، ديمقراطية المجالس العمالية، والمجالس الشعبية في المدن والقرى، لأنها الكفيلة لوحدها بحماية مشروعها، وبضمان تطوره وتقدمه.. وبالتالي، فإن وصفة "المشاركة في التقرير في السياسات التي يجب اتباعها وهي وصفة تليق لحدّ ما، بتنسيقيات مناهضة الغلاء أو جمعيات الدفاع عن المدرسة العمومية..الخ ولا تخرج عن نطاق الوصفات اللبرالية المستعملة من لدن كافة الأحزاب الانتخابية التقدمية والرجعية، سواء بسواء.. حيث "هناك دائما المشعوذون الاجتماعيون من كل شكل وطراز، يزعمون بمساعدة مختلف وصفاتهم السحرية وعلاجاتهم المرقعة، أنهم سيقضون على جميع أصناف البؤس الاجتماعي دون إلحاق أدنى ضرر بالرأسمال والربح".. وحيث هناك دائما من يساعد على الترويج لهاته الترهات، وهذه التصورات المعادية لأي تحرر فعلي للطبقة العاملة، ولسائر المحرومين والكادحين.. فبدون الأخذ بزمام الأمور والمبادرة، ستنفلت القيادة من يديها، وستسرق الثورة من حضنها، لأن تحرير العمال والعاملات وجميع الفئات المسحوقة والمقهورة، لن يتم إلاّ عبر، وبواسطة هذه الجماهير نفسها، لأنها وحدها القادرة على صنع حريتها وصيانة كرامتها بنفسها.

"فالحراك" مهم وأساسي، وخط الاحتجاج ضروري في مسار الصراع الطبقي، لكنه غير كافي بتاتا، لأنه مهدد بتكريس العفوية والانتظارية، ويفتح الطريق للفوضى، والاكتفاء في غالب الأحيان بردود الأفعال.. مما يعرقل مهام تطوير الوعي وتنظيم النضال العمالي والجماهيري.

فما دامت الطبقة العاملة بعيدة عن الوعي بأطروحتها التاريخية، التي تؤهلها موضوعيا لقيادة الصراع والثورة الاجتماعية، بشرط انتظامها في حزبها السياسي المستقل، وهو شرط حاسم ولا بد منه، بالإضافة لنقابتها الضاربة، وجمعياتها المؤججة للصراع والمناهضة للغلاء والمدافعة على كافة الحقوق كالحق في التعليم، والحق في التطبيب، والحق في السكن..الخ دون هذا سيصعب حينها الحديث عن أي تغيير في الأفق، ودليلنا فيما سنقوله، النماذج الكثيرة في المنطقة، خلال الهزة الأخيرة المعروفة "بالربيع العربي والمغاربي"، التي عرفتها كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والمغرب.. والتي خلـّفت ورائها شهداء وجرحى ومعتقلين، من أجل "صحن عدس" بائت وفقط! إذ لم يعد مسموحا لليسار المناضل، بالانحراف في معارك لا توجهها مطالب ديمقراطية واجتماعية، واضحة ومنضبطة، حتى لا يزيغ عن السكة وعن الهدف الاشتراكي العظيم.. وهو عكس ما يهدف له "الرفاق من النهج الديمقراطي" الذين مسخوا المنظمة، "إلى الأمام" وأطروحتها، وبكل أسف، وراجعوا وشوهوا برنامجها الثوري، وتنازلوا عن هدف الثورة الاشتراكي، وغيروا من حلفائها للوصول لهذا الهدف، إرضاء على ما يبدو للحليف الإستراتيجي الجديد ـ جماعة العدل والإحسان ـ حيث يلزمهم "التشبيك وبناء "الجبهات الميدانية" بغرض حشد "جميع الرافضين وكل من يجابه المخزن"! أي كل من هبّ ودبّ، معلنا معارضته للنظام السياسي القائم أو منازعته "لإمارة المؤمنين"..الخ فنحن إذن أمام براغماتية سياسية مقيتة وغير مبدئية أسقطت الحزب في نوع من الانتهازية اليمينية والارتباك السياسي الذي لا يليق بديمقراطي، تقدمي، مبدئي، وحر!

فإذا كان يهمنا كدمقراطيين تقدميين إعلان الحرب على وضد "المخزن"، فيجب إعطاء المعركة جميع أبعادها الطبقية، لأن اليسار بالذات، وخلال هذه المرحلة بالذات، يطالب أكثر من غيره، بالمزيد من الوضوح والاستقلالية في مواقفه وتوجهاته السياسية والاجتماعية.. فإما أن نكون "يسارا جمهوريا" تبعيا وفقط، على اعتبار أن المرحلة حسب وجهة نظر هذا اليسار، لا تستدعي الحرب على الرأسمالية وعلى طبقتها البرجوازية، نزولا عند واجب التحالفات الطبقية اللازمة لنجاح، ولإنجاح هذه الثورة الديمقراطية، وتسعى بكل ما لديها من جهد لإقناع جميع هؤلاء "الجمهوريين" على اختلاف مشاربهم، وبغض النظر عن صراعاتهم خلال هذه المرحلة، بقصد حشدهم وتعبئتهم في نطاق جبهة سياسية "رافضة للمخزن ومعارضة لوجوده" مفتوحة لقبول الجميع أي بمن فيهم القوى الظلامية "السلفية والعدلاوية" والمعادية صراحة لأي تحرر فكري، سياسي واقتصادي، يضمن الكرامة والمساوات، ويمنع الاستغلال ويناهض الطبقية من جذورها، داخل المجتمع الجديد المنشود..الخ

وإما أن تنتصب، عكس هذا، وعلى النقيض منه مدافعا عن اليسارية الصادقة، المبدئية والصريحة.. فبالإضافة للهوية الجمهورية، والمعارضة الجذرية للرأسمالية ولجميع مشاريعها الاقتصادية والاجتماعية، ولكل من يلمّح أو يخطط للتحالف مع أحد من أحزابها البرجوازية أو فئة من فئاتها، حيث أصل الشر وجميع الشرور، هي هذه البرجوازية نفسها ونظامها المتعفن، القائم على النهب والتفقير والاستغلال..الخ تحضر الثوابت الماركسية والاشتراكية المدافعة بقوة عن الطبقة العاملة وعن حلفائها، وعن عموم الكادحين المهمشين والمحرومين..الخ

فالمجتمع المغربي مثله مثل جميع المجتمعات، يضم طبقات اجتماعية مختلفة المصالح، ومتعارضة الطموحات، متصارعة لحد التناحر.. فكما توجد طبقة برجوازية مالكة لجميع وسائل الإنتاج ووسائل الرفاهية، ووسائل حمايتها التي توفرها لها أجهزة الدولة، ومؤسساتها الدستورية، وأجهزتها القمعية..الخ حيث توجد على النقيض من هذه الطبقة، جميع الطبقات المحرومة وغير المالكة في أغلبها، وفي طليعتها الطبقة العاملة المنتجة لجميع الخيرات، الصناعية والفلاحية والخدماتية..الخ طبقة تعيش الفقر والإملاق، وتبقى عرضة للاستغلال، مقابل أجرة زهيدة لا تسمن ولا تغني من جوع، بل ولا تكفي عنصرا من هؤلاء العمال والعاملات، لتغطية حاجياته الضرورية من مأكل ومشرب وتغطية صحية، حيث لا حظ للفرد في بناء أسرة أو امتلاك سقف يؤويه ويحفظه من شر الحر والقر.

وبين هاته وتلك من الطبقات، تنتصب الطبقة الوسطى، أي البرجوازية الصغيرة بجميع فئاتها، الدنيا والعليا، المالكة وغير المالكة، المنتجة وغير المنتجة.. والتي تضم في صفوفها جماهير الفلاحين الفقراء ذوي الملكية المحدودة وجماهير الحرفيين والتجار الصغار، وأصحاب الورش الصغيرة للنجارة والحدادة والميكانيك والخياطة والحلاقة..الخ إلى جانب الموظفين الصغار المندمجين بالوظيفة العمومية وفي المقاولات والشركات.. بالإضافة للعاطلين والمعطلين والمياومين وعموم المهمشين، الذين يزداد عددهم باضطراد وتتوسع قاعدتهم بشكل دائم ومخيف، يزيد من درجات البؤس والحرمان والفقر، ويستقطب المزيد من المطالبين بالتغيير، والتأثيرين على الأوضاع القائمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية..الخ

فهذه في المجمل، أهم الطبقات الاجتماعية في العصر الحالي وفي بلدنا المغرب، لا يشكك في وجودها سوى الدجالون.. طبقات تعيش صراعات وتناقضات دائمة، فيما بينها، لن تتوقف هذه الصراعات بطبيعة الحال، ما دامت هذه المصالح متباينة ومتعارضة، وما دامت الملكية الفردية والخاصة، قائمة.. معطيات وحقائق يعرفها "الجميع"، ويقرّ بحقيقتها "الجميع"، بمن فيهم "الرفيق با عزيز" فكيفما كانت أوضاع اليسار، وحالته التنظيمية المتهلهلة، وتصوره المتذبذب للتغيير.. يعني هل يستوجب التمرحل والتدرج، والتريث في خطته للتغيير، أم عليه أن يعد العدة والعتاد للثورة الاشتراكية الحاسمة.. فيجب عليه وعلى أنصاره الصمود والعمل بجد، من أجل تجاوز أعطابه هذه.

فوجهة نظرنا تميل بشكل قوي لهذا الخيار الثوري الأخير، الذي يراهن بوضوح على الانخراط القوي في الحركة الاحتجاجية والمطلبية الاجتماعية، والسير قدما، والعمل بجد وتفاني من اجل بناء حزب الطبقة العاملة، وتهيئته لخوض النضالات النقابية والسياسية، وتطوير هذه النضالات، والدفع بها لأوجها وقمّتها، عبر تحويلها لانتفاضة عمالية مسلحة، تحشد ورائها عموم الجماهير الشعبية المسحوقة، من المدن والبوادي، لدعمها ومناصرتها وحمايتها، في الاتجاه الذي يوفر الشروط الكافية، الذاتية والموضوعية، لنجاح الانتفاضة الشعبية والشاملة في إطار من العصيان المدني، ليفتح الباب والأفق، بالتالي لإعلان الثورة والتقدم في خطواتها الأولى عبر استلام السلطة السياسية والمضي في المصادرة لجميع الممتلكات المغتصبة وجميع الثروات المرصودة في البحر، والأرض، وفي عمق المناجم، وفي أعالي البحار.. التي تسيطر عليها البرجوازية وحلفائها من الملاكين الكبار.. حيث يلزمنا كيسار اشتراكي، عدم إهمال ما تبقى من المطالب الديمقراطية العالقة، وما يرتبط بالحريات والمساوات، دون التخلي عن الثورة الزراعية وفق مخطط اشتراكي يعتمد سياسة التصنيع والتجميع والتحديث ونصرة الطبقة العاملة ومجالسها في الريف وتشجيع التعاونيات بدل الملكية الفردية في الإنتاج..

فلا مصداقية في نظرنا ليسار ينكر أو يزدري أفقه وإستراتيجية الاشتراكية، ولا أمل في من يغض الطرف أو يتغاضى عن تدبدب حلفائه من الطبقة البرجوازية الصغيرة، وبشكل خاص الفئات المالكة منها، في المدن والأرياف.. فعدم التحذير من هذه المعطيات لا يصلح للتباهي بالاستفادة من "التجارب المعاصرة".. لأن الواجب النضالي يقتضي الكشف عن الخلفية الطبقية الحقيقية لجميع مكونات المشهد السياسي، بما فيها مكونات "الجبهة المعارضة للمخزن"، ودونه يدخل في نطاق الدجل السياسي وخداع الجماهير الشعبية، والمؤامرة على الجماهير العمالية وجميع قواعد الحركة اليسارية الاشتراكية المؤمنة بالتغيير الحقيقي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي..الخ

فالموقف الواجب اتخاذه من لدن اليسار الحقيقي، أي اليسار المبدئي، اليسار الاشتراكي دون مواربة.. اليسار الذي لا يخفى ولا يزدري شيوعيته أمام جميع المعنيين بالثورة والتغيير، وأمام الحلفاء، والخصوم والأعداء، سيان.. هو الشروع في عملية تجميع كافة الفرق والحلقات والتيارات اليسارية، في تنظيم سياسي واحد وموحد.. تنظيم يعلن منذ بداية التأسيس عن اختياراته الصريحة، ويؤكد عن رهاناته واعتماده على الطبقة العاملة باعتبارها الطبقة الثورية حتى النهاية، أي حتى القضاء النهائي على الرأسمالية، حيث لا خوف عليها من التذبذب أو التعثر، أو الوقوف في منتصف الطريق.. لأنها ببساطة، طبقة معدومة، وغير مالكة، تعيش فقط من جهدها، وعرق جبينها وقوة عضلاتها.. فإن فقدت شيئا في طريقها إلى السلطة السياسية، فلن تكن سوى قيودها وأغلالها، التي علاها الصدء بفعل دمائها وآلامها.. فهي التي تحتل عصب الاقتصاد الرأسمالي، وتمتلك أقوى سلاح لتدمير قلاعه، سلاح الإضراب وسهولة وقوة التنظيم..الخ

فهو ذا اليسار المناضل الذي نهتدي بمبادئه هو الذي كان منذ نشأته وتشكله، تيارا معارضا للرأسمالية ومناهضا لسياساتها التفقيرية ولوجودها كمشروع اقتصادي يعتمد الاستغلال من أجل الربح، ومراكمة الأرباح.. يسار لا يخطئ الحلفاء، ولا الأعداء.. ولا يناصر الغوغاء.. يسار واضح في منطلقاته، وفي إستراتيجيته الثورية، المبنية على مشروعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي البديل، والنقيض للرأسمالية، والمعارض للملكية والتملك، دون أن يستحي في ذلك، أحدا..

*مارس 2018

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top