لا يمكن لعاقل أن يتوقع من رئيس الحكومة السابق، عبد الاله بنكيران، غير ذلك الموقف الذي عبر عنه عندما هاجم حملة المقاطعة التي تستهدف منتجات افريقيا ـ غاز المملوكة من طرف غريمة السياسي عزيز اخنوش، والماء المعدني سيدي علي الذي تنتجه زعيمة الباطرونا مريم بن صالح، ومنتجات شركة سنطرال دانون، فالرجل يعلم أكثر من غيره ان صمته يعني مباركة ضمنية لهذا الاحتجاج الفعلي الذي يعتبر خروجا عن نص المسرحية التي حددت قواعدها في دهاليز القصر منذ زمان وأطلق عليها اسم العمل السياسي، ولهذا سارع الى تبرئة تياره في الحزب ووصف الحملة بالمشبوهة وغير البريئة ومن وراءها غير بريء الخ..

ورغم أن وصف الحملة بالمشبوهة قدحي ومذموم، فيجب علينا أن نعترف لبنكيران بأنه كان بمنطق العمشة في بلاد العميان نبيلاً جداً بالمقارنة مع ما صدر من وزير الاقتصاد والمالية من سباب تحت قبة البرلمان، دون حسيب ولا رقيب، ولتذهب كرامة المغاربة إلى الجحيم، ولكن الرجل، أي بنكيران، لم يتوقف عند هذا الحد، وليته فعل، ولكنه أيقظ كل الجراح عندما عاتب على الناس مقاطعة المتنجات التي لم تتغير أسعارها منذ فترة ولايته ! فهل نفهم من هذا بأن بنكيران صدق صدق فعلا أنه كان يملك عصا سحرية يستطيع بها إسكات المغاربة ومنع جيوبهم من الأنين حتى في لحظات الالم الشديد؟

الذي يكرس هذا الافتراض بشكل كبير هي تصريحات سابقة لبنكيران يتم تداولها خلال الايام الاخيرة بكثرة منها مقطع فيديو ويظهر فيه وهو يعدد منجزاته في مهرجان خطابي ويقول: "ياكم أنا زدت فالاسعار والمغاربة قبلوها مني الله يجازيهم بخير"، وهي العبارة نفسها التي طالما رددها أمام خصومه أيضا دون أن يستوقفه أحدهم ولو لمرة واحدة لكي يسأله عما إذا كان كلامه هذا مبنيا على استطلاع للرأي أنجزته مؤسسة جادة يستطيع الإحالة عليها أم مجرد مزايدة سفسطائية..

اليوم من حقنا أن نقول للرجل بأن هذه العنتريات لا تغدو ان تكون مزايدة بالوهم وها هي المقاطعة تقدم لنا خير دليل وخير رد من المغاربة على الثوم الذي أكله القصر بفم طيلة فترة ولايته....

ينتفضون ضد كوارثك يا سيد بنكيران لأن البوليس، الذي كان يقمع ويقتل المحتجين السلميين بمباركتك، لم يستطع إليهم سبيلا. وإذا استمرت الاحتجاجات على هذا النحو ستطال البطالة كل الهراوات وستتوارى عن الأنظار هي الاخرى مع أنني أتوقع أنها تملك من الشجاعة ما يجعلها تعتذر للمغاربة عوض أن تخرج إلى الإعلام بتصريحات تفتقد إلى الفطنة والبديهة..

إن المتضرر الأكبر من تصريحات هذه التصريحات التي ذكرنا فيها بنكيران بالسياسات التي سنت في ولايته، ودافع عنها وبررها، هم هؤلاء الذين يحاولون أن يقدموه كزعيم وطني إصلاحي، وفي نفس الوقت يساندون المقاطعة بدعوى أنها تجسد صرخة المغاربة ضد تغول الكارتيلات وإفلاس السياسات. يا له من تناقض صارخ! أما الذين يساندون المقاطعة من المتعاطفين معه، من باب الانتقام من أخنوش على ما سمي بالبلوكاج، فأولئك في تناسق تام مع قناعاتهم بغض النظر عما تطرحه من تساؤلات وما أكثرها..

أدخل بريدك الالكتروني للحصول على أخر المستجدات

إرسال تعليق

 
Top